|
قراءة في باكورة المبدعة مريم خليل الضاني

سرداب التاجوري قصص
تنتصر للإنسان وتدافع عن المظلومين
عن دار المفردات للنشر والتوزيع في الرياض-
المملكة العربية السعودية صدرت المجموعة القصصية الأولى
للقاصة الفلسطينية – المقيمة في المدينة المنورة مريم خليل
الضاني بتسعين صفحة من الحجم المتوسط ، تتضمن خمس عشرة قصة
قصيرة ، تبتديء بقصة ( أسبرين) وتنتهي بقصة ( بائع الشراريب).
يتصدر المجموعة إهداء طويل الى تسع شخصيات
، من الوالدين والأخوة والصديقات ، والى منتدى أزاهير الأدبي
الذي اعتنى بإبداع الأخت مريم ،والى المدينة التي حضنت
المبدعة – مدينة الرسول الكريم ، والى فلسطين الوطن البعيد
القريب من القلب ، والذي تحمله الكاتبة غصنا مورقا لاينأى عن
الروح.
تغرف الكاتبة أفكار قصصها من الواقع المعيش
، ويأتي الحوار بلغة سهلة مفهومة ، لاتكلف فيها ، فصيحة قريبة
من القاريء ، تتنوع الضمائر المستخدمة في القص ما بين الغائب
والمتكلم والمخاطب ، تحافظ الكاتبة على مقومات القصة القصيرة
من مقدمة ، وعرض وخاتمة ، تأتي القصص منتصرة للإنسان تغذي فيه
التفاؤل الجميل الى إمكانية تغيير الحياة ، وجعلها أفضل مهما
اعترضت الطريق من مشاق.
القصة الأولى عنوانها ( أسبرين) تتحدث عن
امرأة متزوجة ، تعمل مديرة في مدرسة ، تتميز بقوة الشخصية
والقدرة على ضبط الطالبات ، وجعلهن يحترمن قانون التدريس ،
تحصل السيدة على التقاعد بعد ان تصل الى السن المقررة له ،
تشعر بأنها تفقد أمرا مهما ، كان يمنحها السعادة والشعور
بالأمان ، حيث ان النجاح في العمل ينسي المرأة المتزوجة ،
حقيقة ان الزوج لاينظر اليها امرأة وحيدة في الحياة ، بل يتخذ
زوجة ثانية ، ولان بطلة القصة تؤمن بما أباحه الإسلام ، فهي
لاتتذمر ما دام الزوج على العهد به يحسن المعاملة ، رقيق
الكلام ، حسن العشرة ، ولكنها تشعر بألم بالرأس من حقيقة ظلت
غائبة : ( أسدلت الستارة على النافذة ، واكتنفني إحساس ثقيل
بالضيق ، اتكأت على الجدار ، وتنهدت بحرقة : ااااااه.....(
سحر) طالبتي الحسناء ذات الجسد البض والبشرة البيضاء الناعمة
والأنامل الرقيقة).
وجع كان مخفيا ، حين
كانت الزوجة محاطة بالنجاح ، احترام الطالبات وتقدير المدرسات
، والطاعة المسئولة التي تتمتع بها ، وتجعلها تشعر أنها ذات
مكانة لايمكن لأحد ان يسلبها منها ، هذه المنزلة سرعان ما
يصيبها العدوان ،حين تحصل على التقاعد
( سحر، الورم المتجذر في طيات نفسي ، ما
فتيء ينمو ويتناسل ، وما فتأت أراقبه فيتبدى لي بثرة صغيرة ،
داهمني صداع مفاجيء وبرودة في الأطراف).
وليس هناك من أمر جديد ، ليس زواجا جديدا ،
إنما البقاء بلا عمل مع الكبر في السن يجعل الأمر أصعب على
القدرة على الاحتمال ( ولكن ما الجديد في الأمر ؟ سحر كانت
وما زالت زوجته الثانية ، تلك البئر المطمورة ؟ ما خلت أنني
ذات يوم سأنزع غطاءها ، وانزل دلوي الى أعماقها السحيقة ،
لأخرجها مترعة بالوجع ).
في قصة ( مارد)
يعيش الزوجان سعيدين ، هانئين بشعور متبادل من الحب الذي يضفي
على حياتهما اشراقة دائمة من الجمال ، ولكن عجز الزوج عن
الإنجاب وتطلع الزوجة الى ذلك النداء المحبب الجميل ( أمي )
يجعلها تضحي بسعادة القلب ، للحصول على نعيم الأمومة ، فتخلع
من تحب ، وتقترن بمن لاتجد فيه الا واسطة لتحقيق الأمل المنشود
، ولكنها رغم ان الرجل الثاني يمتاز بكرم الخصال ، تعيش
بعواطفها المجهدة مع الحبيب الأول ، تجده محيطا بها ، لايرغب
في ان يجعلها تتحرر من براثنه ، ولكن هل الحب قيد صعب على
النفس ؟ هنا المرأة تريد ان تخلص للرجل الذي حقق لها حلمها
بالحياة ، وجعلها أما سعيدة بعد أن كانت عاشقة محرومة( ها أنت
يا خالد تتراءى لي من جديد تحت تلك الشجرة ، وعيناك العسليتان
المشبعتان بالانكسار ، لاتبرحان عني ، ضمني سامي الى صدره وربت
على شعري ، فاستسلمت لدفئه ، وسرعان ما ابتعدت عنه ، حين دنوت
مني ، وانهالت علي سياط وجودك ، سحبت أصابعي من بين كفي سامي
، حين حاذيتني ، بدأ الخوف يدب في عروقي ، وجهك تزداد مساحته
بالتدريج حتى يغطي السماء ، يدمدم صوتك في أعماقي رعدا لطالما
أقسمت ليL
يا حياة انك لن تكوني لرجل آخر سواي)
صراع رهيب في نفس
البطلة ، شعور بالحب قوي ،لايمكن ان ينسى لرجل يملك العواطف
كلها ، ومشاعر بالتأنيب من هول ذلك الوضع ، تحاول ان تتحرر من
الحب المسيطر على كل جارحة ، ولكن هيهات ، او ليست المرأة تحب
مرة واحدة في الحياة ؟
في ( سرداب التاجوري)
نرى الخاص والعام معا في نسيج جميل ، تبدع الكاتبة في الحديث
عن ذكريات الطفولة ، حيث تحرص قصص الأمهات على ربطنا بالوطن
الأم ، الأول لكل شخص ، والتي تظل ذكرياته الجميلة والأليمة ،
تدفعنا الى مضاعفة الجهد كي لأتغيب المساكن التي سكنتنا ،
واستقرت في النخاع ، تستعيد البطلة حكايات الأم والجدة ، في
تلك المرحلة الساحرة من عمر الإنسان ، حيث تتعين عواطفه
المختلفة ، وصفاته الثابتة والمتغيرة( كانت حكايات أمي فوق
السطح كالأزهار ، أحدق في النجوم البعيدة في السماء ، وأصغي
الى حكاياتها عن بلدتنا الصغير ة ،في فلسطين ، وعن بيوت تلك
البلدة ،التي يحتضن كل بيت فيها ساحة صغيرة مزروعة بأشجار
البرتقال والزيتون ، وعن رائحة تلك الأرض التي تتشبث بجذور
الأشجار بقوة ، وعن لون ترابها الطيب الخصيب ، وكانت تصف طرقات
تلك البلدة ،التي تمتد كالأذرع القوية وتضم البيوت ، وعن
سمائها الصافية وهوائها العليل
في قصة ( علاقة) تطالعنا اللامبالاة
الثقيلة من مشاعر الآخرين ، علاقة جامدة جافة بين شخصين ،
يحاول احدهما إيذاء الآخر ، بان يقذف السكين الحادة ، الى
أنحاء متفرقة من جسدها ، مما يسبب لها الجراح الفادحة( تململت
في مقعدها الملتصق بمقعده ، وحدجته بنظرات متوجسة ، حين اخرج
السكين من جيبه ، وقذفها في الهواء الى أعلى ، وقبل ان تسقط
التقطها بخفة مدهشة ، وقلبها بين أصابعه بطريقة بهلوانية ، ثم
قذفها تارة أخرى الى الأعلى).
خوف رهيب يعتري المرأة هنا ، ويسيطر عليها
ويجعلها عاجزة من فعل شيء ، ومقاومة ذلك الإصرار العجيب ، على
الإضرار( قذف السكين الى الأعلى ، فتبعتها عيناها بوجل ، وما
لبثت السكين ان هوت على ذراعها ،قبل ان يتمكن من التقاطها ،
انبجس الدم غزيرا من جرحها العميق.
لعل من حسن حظنا في
هذه الحياة ، ان أمثال بطل القصة ( علاقة) قليلون جدا ، والا
ما كان بمقدورنا ان نفعل لو كان اللاعبون بالسكين الحادة ،
كثيرين ويحبون ان يقذفوا بها أمام الأعين ، والى أنحاء متفرقة
، من الجسم البشري الضعيف ؟
في القصة الجميلة (
صباح الدم) نقرا معاناة المتزوجات حديثا ومعاناة الآباء
والأمهات الشديدة ، من إمكانية ان يكون غشاء البكارة ، من
النوع السميك المطاطي حيث ، لاتنزل معه قطرات من الدم ، ليلة
الدخلة مما يسبب الشك في براءة الزوجة ، ويدفع ذويها الى
معاقبتها غسلا للعار ، وقد أرعبت الكثير من النساء البريئات
، في ليلتهن الأولى ، بعد ان تم الشك من سلوكهن وهن لم يقدمن
على ذنب ، وأثبت الطب الشرعي على البراءة ، بعد فوات الأوان ،
بطلة القصة امرأة ، تراودها المخاوف ان تكون مثل قريبة لها ،
وتخشى على رد فعل الأب ، الذي تكن له الفتيات عادة كل التقدير
والاحترام ، لما يقوم به من عناية ورعاية وحرص ، على التربية
السليمة ، وغرس بذور الأخلاق الصالحة في نفوس الأبناء، والبنات
على الخصوص ( حدقت في عينيك المتقدتين ، وأبحرت في ذهنك ، الذي
تتلاطم فيه أمواج الريبة والخوف ، لماذا تأخر زوجها في الخروج
من الحجرة ؟، لابد ان هناك خطبا ما ، لا . لا ، أعوذ بالله من
الشيطان الرجيم ، ابنتي فتاة شريفة ، اعرفها ، ابنتي الكبرى
العاقلة ، أنا ربيتها فأحسنت تربيتها ، وأخواتها اللائي تزوجن
قبلها ، لسن أفضل منها خلقا و تدينا ، ولكن من يدري ؟ لعل شيئا
ما قد حدث لها عندما كانت طفلة)
في قصة ( مثل ما أحب أمي) نشهد التباين
الواضح بين تصرفات الإنسان ، الابنة الحقيقية لاتحسن معاملة
أمها المريضة النائمة في المستشفى ، والتي تحتاج الى عناية
كبيرة من الأبناء ، وكلمات طيبة ، تتعرف في تلك المستشفى على
فتاة أخرى تحسن إلى المريضة وتعاملها بمنتهى الرفق واللطف ، ثم
نفاجأ الى أنها جارتها فقط( نظرت الشابة إلى عيني العجوز بحنو
وربتت على رأسها قائلة.
-
أمي توفيت رحمها
الله ، وهذه جارتي امرأة وحيدة ، لا أقارب لها ولا أبناء ،
ولكني أحبها مثل ما أحب أمي)
هذه النماذج
الإنسانية والتي تبدو متناقضة ، نجدها كثيرا في مجتمعاتنا ،
الوالدان يتعبان في تربية الأبناء ، لعل التعب ذاك ينتج عناية
بهما ، اذا ما بلغا سن العجز ، واذا بهما يلقيان العقوق وعدم
الاعتراف ، بما قاما به من جهود قوبلت بالنكران ، وهناك أناس
آخرون ، منحهم الله كرما في الخلق ومروءة ، يعطفون على الكبير
والصغير ، وعلى الجار القريب والبعيد
في قصة ( عصفور على النافذة) نلمح ذلك
الشعور المرهف بالوحدة ، الذي يعذب نفس الإنسان ، ويجعله تواقا
الى البكاء ،في عالم لايرحم حاجة الشخص الى المواساة ، امرأة
وحيدة تتكرر تفاصيل حياتها اليومية ، الصمت يسكن روح شقتها ،
حيث لاشيء سوى دقات الساعة الرتيبة ،لااحد يقوم بما تتطلبه
الحياة من إصلاح ، ما عطب من مستلزمات العيش ، ولا تجد من
يستعد لسماع شكايتها ، من حياة الوحدة الممضة للقلب ، عصفور
على النافذة تجد فيه بطلة القصة ، ملاذا من أتعابها الطويلة
ومعاناتها المستمرة( نهضت متثاقلة لأفتح النافذة ، فرايتك على
سطح منزل قريب ، لعلك يا عصفور تعبت من التحليق فتوقفت هنيئة
لترتاح ، تكومت في فراشي أصغي إليك ،تارة يعلو تغريدك قويا
فرحا ، وتارة يخفت متراخيا حزينا ، وتارة أخرى ينقطع كنشيج
مكتوم ، لعلك تبث همومك الى عصفور آخر ، قريب منك او غائب عنك
، الا ان تغريدك لايشبه تغريد العصافير الذي اعتدت ان اسمعه
في طريق عودتي من العمل).
المخلوقات الحية تسعى الى أليف ، يسعى الى
إشباع الى إحساسها بأنها غالية عزيزة ، وليست مهملة مقصية عن
الاهتمام.
( اخرج يا سعيد) قصة أخرى من قصص المجموعة
، بطلتها امرأة زوجة تعاني من إهمال الزوج ، ومن خداعه المستمر
ومحاولته لتضليلها ، يأتي بضيف الى المنزل مدعيا انه صديق له
، لاتلبث الزوجة ان تعلم ان الضيف ليس رجلا ،يدعى سعيد وإنما
امرأة ، نوع من أنواع الخداع ، الذي يصيب اقوي العلاقات
الإنسانية ، فيقضي على تماسك الأسرة ، ويهدد سعادتها ، ويحيل
الحياة الى جحيم لايطاق ،حين تدرك الزوجة المخدوعة ان زوجها
يخونها ، وان كلماته عن الحب والإخلاص ،ما هي الا كذب كبير
كان مهيمنا على حياتها.
( صناديق البكاء) قصة قصيرة تتحدث عن
معاناة الأطفال المهملين ، الذي تخلت عنهم عائلاتهم ، لأنهم
أتوا الى الدنيا بطريق غير شرعي ، فينتظر الطفل أحدا يسأل عنه
، ليعيده الى بيته ، ويريه حياة الدفء الجميلة ، التي تمنحها
الأسرة لأبنائها ، ولكن الانتظار يطول ، والحلم يظل عاجزا عن
التحقق( أزيحت الستائر عن نوافذ الدار وبرقت خلفها عيون كثيرة
في الظلام ، مشى صوب السيارة ،متوجسا مصغيا ، الى البكاء
المتصاعد من الصناديق ، واذ وصل اليها جلس مبهوتا بين الصناديق
التي يرقد في كل صندوق منها طفلان).
معاناة ليس لها نهاية ، حين بقضي على حيوات
أطفال صغار ، لاذنب لهم ، يعيشون على ما توفره لهم الدولة من
معونات ليست كبيرة.
أنها قصص ممتعة صاغتها الأخت العزيزة مريم
خليل الضاني من الواقع الذي نعيشه والذي يتجاور فيه الجميل
والقبيح والحسن والسيئ.
صبيحة شبر
|