اما اّن لهذا العنف أن يزول

 

تعاني المرأة في بلادنا من الكثير من سياسة الإلغاء ، والتمييز بينها وبين الرجل بالحقوق ، رغم ان الاثنين يقومان بنفس الواجبات ، وأحيانا تتضاعف واجبات المرأة ، بسبب تغيب الذكور ، أما بفعل الإبعاد  القسري بدافع الموت والإعدامات ، وأما لان الرجل أراد طوعا  ،الابتعاد عن المرأة لانه مل منها ، وأحب ان يغيرها بامرأة أخرى ، يتخذها بديلا لإشباع المشاعر ، والاستجابة لنداء العواطف ، والحاجة الضرورية الى الجنس الآخر ، بعيدا عن المرأة الأولى التي ارتبط بها ، فتعاني المخلوقة من الهجر والإلغاء والتهميش ، ومن العجز عن إشباع العواطف ، أسوة بالجنس البشري في كل أصقاع الدنيا.

 

ورغم كل المعوقات التي تعاني منها المرأة العراقية ، من حياة غير طبيعية ، ومن انعدام الخدمات الضرورية ، ومن حاجة الى العمل المناسب ، والأجرة التي تسد الحاجات المختلفة ، ومن انعدام تكافؤ الفرص ، ومن الحاجة الملحة التي لاتجد الاستجابة ، الى الدفء والسفر وتوفر الصداقات ، والتمتع بالهوايات ، وعدم الحصول على التطبيب المناسب ، بسبب عدم توفر التشخيص للمرض ، لان الكفاءات العلمية والطبية قد غادرت البلاد ، نتيجة  إرغامها على الهجرة او القتل بسبق الإصرار والترصد ، رغم كل هذه المعاناة ، التي وجدت المرأة العراقية نفسها تحت وطأتها ، الا ان البعض قد أراد ان يزيد النار اشتعالا  ،والمعاناة غلوا ، والحرمان فظاعة ، فأعادوا الى الحياة قانونا جائرا ، قد أثبتت الأيام مدى ظلمه ، وتعديه على النساء الفاضلات ، بإحياء ما يسمى غسل العار ، وكأن العار يمكن ان يغسل ، حتى لو أريقت البحار  من الدماء ، ولكن ماذا يفعل الإنسان أمام إرادة جهنمية ، بالإساءة الى عائلة من الغوائل ، واتهام نسائها بما هن بريئات منه ، وما أسهل هذا الاتهام الفظيع ، حيث يسارع الناس الى تصديقه ، وكأنهم لايعرفون الفتاة الطاهرة البريئة ، التي تتهم زورا وبهتانا ، فأي وشاية كاذبة لايسأل عن صحتها ، ولا يطعن في منطقيتها ، فتسلخ المسكينة وتطعن  ، وأسرتها ان كانت غير واعية تنطلي عليها هذه التهمة.

 

والدوافع لهذه التهمة كثيرة ، منها العداوات بين الغوائل ، ومنها رغبة بعض الذكور الحصول على ميراث الإناث ، او رغبة الزوج ان يتخلص من زوجته ، فيكيل لها التهم جزافا ، او نظرة بعض الذكور غير المتشبعين بالثقافة الإسلامية ، الى المرأة وكأنها أداة للإشباع الجنسي ، متناسين ما أضفى عليها الإسلام ، من احترام وتقدير ، فالمصدق لهذه التهمة الشنيعة لايستطيع ان يثبت عدم صحتها ، أمام من لايريد ان يفهم ، وقد ذهبت الكثيرات من النساء ، وهن بريئات من هذه التهمة ، أما بدافع الاتهام الظالم ، او لان غشاء البكارة لديهن ، من النوع المطاطي السميك ، بحيث لاتسقط قطرات من الدم  ،اثناء الدخول في الزواج ، فيسارع الزوج الجاهل إلى اتهام زوجته ، مما يدفع الأهل الى المسارعة بالتضحية بحياتها ، متناسين أنهم يجب ان يكونوا واثقين من ابنتهم ، كما ان رأي بعض القبائل غير المتعلمة  ،ان المرأة مخلوق دوني قد سكنها الشيطان ، وانها يمكن ان ترتكب كل أنواع المحرمات ، وانها لايمكن ان تتصف بحكمة الرجل ، واستطاعته ان يميز بين الخير والشر , هذه النظرة دفعت بعض الرجال ، ان يحيطوا المرأة بأسوار عالية من الشك والقيود ، مدافعين عن عملهم ذاك ، ان المرأة مخلوق ضعيف لاتستطيع مواجهة العالم ، وأنها  تخضع لغريزتها الجنسية ، فلا تملك الإرادة لمقاومة المغريات التي توضع أمامها ، وانها مهما  بلغت من السن والحكنة ، قد تشتهي ان تقوم بكل شيء ، مهما بلغت دناءته او معاداته للرأي العام المحلي ان توفرت على درجة ضئيلة من الحرية.

 

والمجتمعات العربية عموما ، ومجتمعنا العراقي على وجه الخصوص ، حيث عانى لعقود طويلة من سياسة الدكتاتورية ، وتكميم الأفواه وعدم القدرة  ،على قول رأي مخالف حتى لو كان بسيطا  ، من الطبيعي ان نجد ظاهرة غسل العا ،ر في هذا المجتمع الذي لم يتمتع بحريته الا في ظلال الاحتلال ، ونظرية الشرف الكامنة بين فخذي الأنثى ، تجد لها تأييدا لدى الكثير من أبناء الشعب العراقي  ، الذي عانى كثيرا من الحروب الكثيرة العبثية ، ومن انعدام أي ظل للحريات العامة ، ونجد هذا الراي لدى النساء ، المحرومات من ابسط الحقوق الإنسانية  ،واللاتي رزحن تحت نير  أنواع من القهر ، كل سنوات عمرهن ولم يعشن جميلا ، ولم يتمتعن بشباب ، او تتكحل عيونهن بجمال ، فبالغن في تضخيم ظاهرة الحب العفيف  ،التي قد يلمسنها لدى الفتيات ، او ينقلن كل مظاهر البراءة والاعتناء بالمظهر ، والرغبة في الأناقة التي تتصف بها المرأة عادة ، وكأنها امر سيء بحاجة الى عقاب من لدن الرجل .

 

ان عراقنا اليوم في ظل الصعوبات التي تعترض مسيرته ، ووجود الجماعات المسلحة ،  وعدم وجود الأحكام الرادعة ، لمن يحلو له ان يقبض على حيوات الناس ، الذين وهبهم الله القدرة على الحياة والعقل ، والتفكير والتمييز بين الحق والباطل  ، فالذي يلجأ الى إزهاق روح إنسانة حباها الله الحق في الحياة ، قد لايجد الأحكام التي تردعه ، من فعل ذلك المنكر ، فشهور قليلة من السجن ، يقضيها الفتى بين  تشجيع الأهل والأحباب ، باعتباره بطلا أعاد الشرف السليب ، هذه الشهور القليلة  ،لايمكن ان تكون مانعا لذوي النفوس المريضة ، الذين لم تتح لهم فرص التنوير ، والاطلاع الحقيقي على مباديء الدين الحنيف ، الذي أكرم المرأة كثيرا وأمر بمنحها كل الحقوق التي منحها للرجل.

 

ان المجتمع يكيل بمكيالين في هذه القضية ، فالرجل حين يرتكب الفواحش، وخاصة  في أمر الاعتداء على الأعراض ، يتحدث مفاخرا بما قام به من أعمال يحسبها  رجولية ، وقد يكون كلامه زورا وبهتانا  ،الغرض منه الإساءة الى  بنات الغوائل ، ولكن المرأة حتى لو كانت معتدى عليها ، تقتل غسلا للعار ، فأي جريمة هذه ؟ وأي مجتمع يكافئ الجاني ويعاقب المجني عليه ؟

على منظمات  المجتمع المدني ، ووزارات  التربية والتعليم ، ان تتصدى لهذه الظاهرة الخطيرة ، بان تعدل من المفهوم الخاطئ لقضية الشرف ، فليس الشرف مقصورا على ما تشعر به المرأة ، من عواطف سامية ومشاعر نبيلة  ،وحب بريء تجاه الرجل ، بل الشرف كل لايتجزأ ، انه الشجاعة والمروءة ، والإحسان الى الناس وقول كلمة الحق ، والدفاع عن المظلوم والوقوف بوجه الظالم ، ونصرة الأخ والصديق وإغاثة الملهوف وإعانة المحتاج ، هذا هو الشرف الذي تبنته المواثيق الدولية وجاءت به الأديان

وجسد الإنسان ملك له ، سواء كان رجلا ام امرأة ، وليس لأحد الحق ان يسلب من أي شخص حق الحياة وقد وهبه الله إياه.