إعادة اللاجئين العراقيين إلى بلدهم

 

ورث  العراق تركة ثقيلة من المشاكل والصعوبات ، ومن توالي عهود الظلم والطغيان ، وانعدام ابسط الحقوق التي يتمتع بها الناس ، في كل أقطار الأرض ، ومن حرمان كامل من حقوق المواطنة ، ومن انعدام ابسط مقومات الحياة الكريمة ، ومن سياسة تنكيل وإبعاد لمن يحمل رأيا مخالفا لما يراه أولي السلطان ، ومن تدني المستويات ،  تحت خط الاحتمال بالنسبة للصحة والتعليم والرفاه الاقتصادي ، ومن سياسة تهجير  لخيرة الشباب العراقي ، ومن فرض أفكار الحزب الواحد ، ومعاقبة من له رأي آخر بأقسى العقوبات ، ومن زج البلاد في أتون حروب دموية شرسة ، أودت بالثروة الوطنية ، وبددتها في أمور ثانوية  ،أرادتها الحكومة الدكتاتورية ، وحين سقط ذلك النظام الظالم ، والذي لم يعرف التاريخ له مثيلا في البطش والإكراه ، وجاءت  الامبريالية الأمريكية ، لتخدم مصالحها السياسية والاقتصادية ، في الإطاحة بهذا النظام ، الذي خدمها كثيرا وبدت سيئاته  واضحة ،أمام المتابع المنصف للأحداث ، حدثت الانتخابات الفورية ، وأقدم الشعب المحروم ، من انتخاب ممثليه ، الى خوض تلك الانتخابات ، وفاز بها من فاز ، نتيجة رفع شعارات صدق بها المواطن ، الذي كان غريقا استنجد بالقشة التي وجدها ، في وسط الأمواج المتلاطمة ، فأحب ان يتشبث بها ، وينجي مركب حياته المتعرض للغرق  ،بعد حكم دكتاتوري ظالم

 

وما جرى بعد سقوط النظام معروف للمتابع ،  أقدمت أمريكا على إلغاء المنظمات والمؤسسات  ،التي كان من الممكن ان تقوم بدورها للدفاع عن الوطن ، او تقوم بما هو متوقع منها  بإعادة النظام الساقط  ،الى الحكم من جديد ، حل الجيش العراقي والشرطة ، و فتحت الحدود العراقية  ،أمام الآلاف من الجيوش المجندة ،التي تريد إعاقة ما يسعى اليه العراقيون ، من حكم ديمقراطي يبيح الحقوق الأساسية ، لبني الإنسان ، وظهرت الكثير من المليشيات المسلحة ، التي تنفذ وجهات نظر الأحزاب السياسية المنتمية إليها ، وحدثت آلاف التفجيرات بالأحزمة الناسفة ، والسيارات المفخخة  ،وطالت الكثير من الأرواح ، وسقط العديد من الضحايا ، وظهرت عصابات التكفير على الهوية والتهجير ، والإرغام عليه ، لخيرة الكفاءات العلمية ، والتعليمة والطبية  ،التي كان من الممكن ان تساهم في اعمار البلاد ، وأجبرت الكثير من العوائل على هجرة بيوتها ، التي كلفتها الكثير من العرق والكفاح ، واضطر الآلاف من المواطنين الى الهجرة  ،خارج البلاد رغبة  في الحصول على الأمن المفقود ،والتمتع ببعض الحقوق، التي اطال انتهاكها ، في بلاد كالعراق ، خرج توا من حكم اعتى الدكتاتوريات ، وعاني المواطنون من فقدان الأساسيات  في الحياة ، وحتى  المياه الصالحة للشرب ومن انقطاع الكهرباء في الأوقات الطويلة ، ومن انعدام الأمن ، ورغم هذا بقي الكثير من المواطنين في العراق ، آملين بانبثاق حياة أجمل ، على ركام الواقع المرير الذي عاشه العراقيون ،   وأمام هذه المعاناة الطويلة ، وانعدام الأمل في تحقيق  بعض الطلبات الأساسية ، هاجر  بعض العراقيين  ، الى دول أوربا ، رغبة في الحصول على بعض الحقوق ، التي يتمتع بها الإنسان في تلك الدول ، جاءت الحكومة العراقية  ، للمطالبة بعودة هؤلاء العراقيين الى البلد ، لان العراق أحوج ما يكون الآن الى عودة أبنائه ، فمن يمكنه ان يساهم في اعماره ؟، وإعادة الحياة إليه ، ان كان خيرة أبنائه موجودين خارجه؟ ، وهنا نجد أنفسنا  في حيرة شديدة ،  كما بطلة الحكاية الشعبية التي كنا نسمعها صغارا ، عن المرأة التي تذهب الى البراري  لترعى الأغنام ، ومعها قطعة خبز ، وأمر عليها طاعته ( خبز لا تقطعين ، واكلي حتى تشبعين ) مما يضطرها الى العودة آخر النهار جائعة ، ومعها رغيف الخبز ، لم يمس ، فهل أصبحنا مثل بطلة تلك القصة ، نكدح طول عمرنا ونظل جياعا ، ونحن نرى خيرات بلادنا تهدر   ؟ هل يمكن ان يترك العراقيون في البلدان الأوربية ، التي اختاروها مكانا لائقا ليجدوا فيه ما يبحثون عنه من أمان العيش ، ومن بعض الرفاه ، فمن يبني العراق  ،بعد تعرضه لهذا التخريب الكبير ، ومن يمكن ان يعيد الصحراء المترامية الأطراف ، الى عهدها السابق ، حيث كانت تعرف بأرض الزراعة والخضرة والجمال ، ومن يمكن ان يعيد  شعلة الأمل الى النفوس ، التي أتعبها الحرمان الطويل ، وأنهكتها الحروب المتواصلة ، والنزاعات ، وحوادث الموت المستمر ، الذي ما زال العراقيون يعانون منه  ،رغم ان معاناتهم وصلت منتهاها ولا مجال بعد في مزيد ، والى متى يعاني العراقيون ، ويتحملون  هذه الحياة التي هي أشبه بالموت  ،يحل عليهم كاللعنة الأبدية ؟، ومن يمكنه ان يعيد ما سلب من العراقيين ، من رغبة في الحياة ،ومن أمل يراود الإنسان، كل صباح ، انه قد يرى سطوع الشمس، رغم ان المغيب قد خيم كثيرا، وسرق البسمة من النفوس ، فهل  يستطيع العائدون رغما عنهم ، ان يساهموا في إعادة العراق ، الى سابق عهده ،  ونفرض أنهم وافقوا على العودة ، لان الحلم في بناء الوطن من جديد ، من الأمور التي تجعلهم يقدمون على التضحية  ، ككل مرة ، يضحون فيها بالغالي والنفيس والروح ، فهل استطاعت الحكومة ، بما قامت به من صولات  ،ان تقضي نهائيا على العصابات المسلحة ، وعلى منفذي العمليات ومموليها ؟ ام إنها نجحت في الحد من سطوة المسلحين الفقراء ، أما الأغنياء والمتنفذون ، والممولون ،  فما زالوا على قوتهم الحالية ، والتي يمكن  ان يهددوا بها سلامة الوطن ، وحياته الآمنة من جديد ؟

 

 وهل يمكن ان تحل قوة الحوار والمناقشة ، بدل لغة الاحتراب ، التي ظلت عقودا طويلة هي السائدة في بلد  كالعراق  ؟ من يضمن ان الحروب الطائفية والقومية والعرقية لا تنهض من جديد / مطالبة بسفك طويل  ،لا ينتهي  من الدماء الزكية الطاهرة ؟ وهل يمكن لشعب عاش الفكر الواحد ، المفروض عليه بالقوة / ان يتحول بعد عشية وضحاها  ،الى آخر بصفات متغايرة ، يحب من تسبب قبل قليل ،في قتل أحبته والأعزاء عليه ؟

 

هل يمكن للحكومة ان توفر الحاجات الضرورية لمواطنيها ، من ماء نقي وكهرباء وموارد معتدلة ، ومن امن وسلام ، وبقاء الساعات المتبقية من العمر، بلا حروب ونزاعات ورغبة طائشة ، في تفجير الإنسان ، والقضاء المبرم على ما يحلم به من جمال ،؟ وهل يمكن للحكومة ، مهما كانت قدرتها الحالية ان تبني ، ولوحدها عرافا نابضا بالحياة ، جميلا كما كان في الماضي البعيد  ،عصيا على التقهقر ، يعيش أبناؤه بحب وإخاء ، كحال الشعوب المتمدنة  ،التي لم يبتليها الله بحكم طائش لا يعرف معنى الحكمة  ،ولا استمع الى حديث التجربة ، ولا علمته الأيام ،كيف يحترم كفاح الناس العظماء ،رغم بساطتهم المتناهية ، هل تستطيع الحكومة وحدها في ظل الأوضاع الحالية، ان تعيد الحياة الضائعة الى الآلاف من البشر التعساء ، والذين لم يذنبوا في شيء ، لتظلم الدنيا أمامهم وتريهم وجهها البائس ، ؟ سوى إنهم عراقيون ، قد ساهموا في صنع الحضارة  ،وابتكار طرق جديدة ، للتعايش مع الألم ، الذي لا يريد ان ينقضي ، ومع البؤس الذي لازمهم طويلا ، فما ذنب العراقيين لتطول معاناتهم ، وليجدوا أنفسهم غرباء في وطنهم؟ ، تلاحقهم اللعنة الأبدية ، وتحل في ديارهم المتفجرات المتنوعة ، ومن كل حدب وصوب ، وان رضي المهاجرون في العودة ، الى بلدهم المعشوق ، فهل تستطيع الحكومة ان تعيد إليهم حقوقهم المفقودة ، ومشاعرهم التي وئدت ، ورغبتهم كما البشر دائما ، ان يستظلوا بنخيلهم المفجوع ، وأرضهم التي استحالت الى حفر بائسة ، وأمكنة لجمع النفايات ، هل يمكن للعراقيين ان يحلموا ، انهم سوف يتمتعون بحياة بسيطة ،بعد كفاحهم الطويل ، هل يمكن ان يجد العائدون،بعض الاهتمام في حياة كريمة ، لاتعكرها المنغصات ، هل يمكن ان يتمتعوا بالصحة، وان يجدوا العلاج الشافي، لما تعانيه أرواحهم وأبدانهم من أمراض ، لم يجد الطب الدواء المبرئ لها ، وماذا تستطيع الحكومة ان تفعل ، وآلاف الملفات ـ تنتظر الرؤية الثاقبة فيها ، والدراسة المستفيضة لإيجاد الحلول

 

كلنا رغبة ان يعود العراقيون الى بلدهم الحبيب ، وان يساهموا من جديد في بنائه ، فقد علمهم الدهر إنهم يبدؤون من الصفر كل مرة ، ولكن من يمكنه ان يضمن شيئا ؟ ومن يستطيع ان يعد بأمر ، وكل حياتنا سراب ، وكل الوعود أضغاث أحلام