|
العرس
الفصل الأول
توصلت أخيرا ، وبعد
إدمان الصبر فترة طويلة ، أن اقلع جذورك من تربتي ، وان أنأى
بنفسي عن سعير الحاجة إليك ، جربت كل السبل ، لأحرر قلبي من
براثنك ، وأعياني المسير وحيدة ، أجري في صحرائك المتنامية
الأطراف ، انشد أغنيات لم تعد صالحة لهذا الزمان ، ولم يعد
بمقدور أي حي ، أن يرددها في مكاننا ، اندب حظي ، وألعن تلك
اللحظة التي تعرفت فيها إليك ، سوء طالعي ، جعلني اصدق كلمة
قلتها لي ، وأنت غير مكترث بها ، اشتعل لهيبا اثر لفظة ، بحت
بها في لحظة سكر ، جريت خلفك ، أصغي إلى كلماتك الخالية من
الرصيد ، تنكرت لكل الأحباب ، الذين وضعوا تجاربهم الطويلة
أمامي ، كي استمد منها عزيمتي ، واصل الى قرار ، ولكن كلماتك
كاللعنة ، حلت في دياجير الروح ، وأولعت فيها الهشيم ، أقرر
كل مرة إنني أنسا ك ، وكما يعود التاركون التدخين الى سكائرهم
، بعد قسم أنهم سيمدون أرواحهم بطرق الشفاء ، أعود إليك كل مرة
، حانثة بوعدي لنفسي ، إنني سأحررها من قيود جهنمية تعشعش في
شرايينها ، وتسلب منها طمأنينة اليقين ، كلمة منك تهمس بها الى
أذني ، فأجد نفسي ظمأى وجدت ، بعد حرمان ، نقطة ماء في سراب
روحها العطشى.
ضاع مني كل شيء ،
أهل وأحباب متعاطفون ، أسرة تحنو على ضعفي ، وتربت على كتفي ،
حيث يشتد بي الهجير ، وترنو النفس إلى لحظات من الدفء ، تستمد
منها بعض القوة على نكبات الدهر ، أصدقاء طالما قدموا النصح لي
، معرفين إياي بمثالبك العصية على التعداد ، و التي تأبى
الوفاء ، كم أحببت من النساء ، وكم جريت خلف ابتسامات خالية من
المعنى ، ترميها لك ذوات العيون الوقحة ، والقلوب التي ما عرفت
طعم الحب يوما ، حاول أخوتي ان يثنوني عن عزمي ، بان انتحر من
أجلك ، مضحية بسنين عمري ، وبما كسبته بعد نضال شاق طويل ،
تركني الجميع آسفين ، بعد أن وجدوني متشبثة بك ، أيمكن للداء
أن يبرأ إن حقن مصله في جسد مريض ؟ تخليت عن كل شيء ، حصلت
عليه بالجهد والعمل ، مدعية لنفسي إن راحتي معك ، وان حياتي
تبدأ حين يتم توحدنا ، ولكننا رغم كل شيء ، كنا نبتتين
غريبتين عن بعضهما ، وكأنهما قلعا من جذورهما وهما صغيرتان ،
وحملا إلى ارض بعيدة ، فلم يقدرا على المواصلة ، وذبلت
زهراتهما قبل اشتداد عودهما ، كنت تكبر ، واجدك أمامي تثير
فتنة الناظرات إليك ، تهمس إليهن بعذب الكلام ، الذي وقعت في
فخاخه وأنا لا اعلم عن مصيري شيئا ، كم تمنيت أن اعرفهن
بخباياك ، كنت تتهمني بتهم بعيدة عن حقيقتي ، لماذا اشعر
بالغيرة ، وأنت لم تمحضني العاطفة التي ادعيت بها ، فخرت
عزيمتي متساقطة ، وجن جنوني ، كم لحظة نحيا في هذا العالم ،
ونحن نجري من هزيمة الى أخرى ، ونكحل عيوننا باندحار بعد
اندحار ، أراك معجبا بالكثيرات ، توزع عليهن غنائمك ، وتحدثهن
عن فتوحاتك ، وهن مصغيات ، كم تمنيت ان أتقدم إليهن ناصحة ،
الا يكترثن لعواطفك الغادرة ، وصوتك المعسول ، شعرن بالغبطة
نحوي ، أنت المفتون يكل النساء ، تمنحهن الكلام المنمق الجميل
، وهن لاهيات.
هذا أخر وعد لي ،
اقطعه على نفسي ، إنني سأحرر عقلي وقلبي ،من سم قاتل ، قد
وقعت على إثره صرعى ، حين فتك بي ، وسلب مني القوة على ردعه ،
وتواصلت انهزاماتي ، وتركتني مخلوقة أخرى ، لم أكن أظن يوما
،إنني سأكونها ، كيف أقلعك من جذورك اللعينة ، التي فتكت
بقدرتي على النماء؟ كيف يمكنني ان استرد الطمأنينة ،الني
فقدتها حين التعرف إليك ، حين تحدثني عن النساء العديدات ،
المغرمات بك ، وأنت منتشي بنفسك ، ما الذي كنت تطمح إليه ؟
وأنا استمع إليك ، علك تظهر بعض الشعور بالندم ، على مشاعر
قوية قدمتها لجميعهن دون استثناء ؟ فخر يتملكك ، وأنت تعدد
أسماءهن ، وتريني صورا لهن ، وتقرأ لي مقاطع من رسائل بعثنها
لك ، وأنت تختال كالغراب ، معددا مناقبك.
اشعر اليوم أنني
سأقهر الضعف الذي لازمني طويلا ، وأتغلب على الداء الذي سكنني
، وابتسم للشمس ، إذ إنها تشرق من جديد ، على ارضي التي فقدت
لون أشعتها منذ قرون ، دفء جميل يهل علي ، ويمنحني جمالا فريدا
، كنت أحسب انه اضمحل ، وفات أوانه.......
الفصل الثاني
لم يحقق يوما نجاحا
، حياته فشل متواصل ، وخيباته مستمرة ، يعمل لغيره ، ويناضل
كي يقدم للآخرين ، ما يريدون على طبق من ذهب ، ليس حبا فيهم ،
وإنما رغبة في إنقاذ نفسه من سطوة لسانهم ، ما أن يتكلم احدهم
، حتى يسد عليه منافذ السمع والفهم والإدراك ، يتمنى ان يقوم
بكل ما يطلب منه ، ليكون قرير العين ، ويرسم ابتسامة سعيدة على
ثغره المحروم ، يقولون انه سعيد ، فالابتسامة لا تفارقه لحظة
، لكنه شقي بائس في أعماقه ، لم يحبه إنسان ، ولم يذق طعم
الحنان ، يجري خلف القدود الناعمة ، والابتسامات الخرقاء ،
يشتعل لهيبه ، حين يرى نظرة مغموسة بالسم الزعاف ، يعشق واحدة
، ما ان تستمع الى قصته ، حتى تتخذ طريق الهروب مسلكا ، تدعي
أنها مسيرة على اتخاذها لهذا السبيل ، يتظاهر انه مصدق وداخله
يغلي لهيبا ، عواطف حيرى تنهال للفتة اهتمام ، يحلم طويلا ان
يكون كالآخرين ، ويعييه الحال ، لا يملك الإصرار ، ويخر صريعا
بعد كل عثرة ، يقوم منها بعد ، أن تمد له أيد الأصدقاء ، تنقذه
مما الم به ، ينفذ ما قدموه له ، ويتشبث بمسيرة ناجح من خلانه
، ويظن انه ان سار على هديها ، سوف يحقق له النجاح المؤكد ،
يمضي العمر مديدا خائبا ، لم يذق طعم المودة ، ولا عرف للعاطفة
سبيلا ، أحب الكثيرات ، كل باسمة يتبعها ، أصبح فلبه مركبا ،
تركب فيه الإناث المتغنجات ، لا يبالين به ، ولا بآلامه ، يعمل
لهن كل ما يردن منه بصبر مثير للعجب ، يكتب ما يطلبه الأساتذة
منهن من بحوث ودراسات ، و ينظم القصائد العصماء ، في التغني
بجمالهن الفتان ، يذكرنه في مجالسهن ، ويتطلع الى إتقان
أعماله المتواصلة ، من اجل خدمتهن ، ما ان يعبر للواحدة منهن
عن ألمه الدفين ، ورغبته في لم الشمل ، والتمتع بجمال الحياة
، وانه اختارها لوحدها ، كي تتربع على عرش قلبه ، تهرول منه ،
ناجية بنفسها ، مدركة انه لا يملك قلبا خاصا به ، من كثرة ما
وهبه للحسناوات ، يضحك عاليا على قصصه الكثيرة ، حين يذكره بها
أصدقاؤه الكثيرون ، تسيل مدامعه مدرارا ، وهو يصغي الى نكات
تتردد هنا وهناك ، عن أحاديث عشقه المتكر ،ر لكل امرأة تقع
عليها عيناه ، ينسى كل القصص الأخرى التي خلدها بأشعاره ، التي
تتسارع الغادات ، الى قراءتها والتسبيح بحمدها ، من هي تعيسة
الحظ ، التي سوف يوقعها سوء طالعها بطريقه ، فتجد نفسها ضرة
لكل امرأة مرت بحياته ؟ عدوة جميع النساء ، من تلك الفدائية
التي تذبح أحلامها ،وتقدم حياتها ،رهينة لإنسان ما عرف حبا
حقيقيا ، ولا أصدقت له الوعود الأنثوية ، ولا سهرت من اجله
عينا ن جميلتان ، ولا تساقطت من اجله درر إنسيات ، ماذا يفعل
وقد وجد نفسه ، ضعيف الهمة ، خائر العزيمة ، لاشيء يثير فيه
الإصرار ، يجد ان نفسه عدم ، ان قيست بالنفوس الأخرى ، التي
تتعايش معه ، يرى انه أضحوكة أمام الآخرين ، يتندرون بما يروون
من حكايات ، فإذا ما انقلب الحال جدا ، سارع إلى الإعلان :
-
انا إنسان ضائع ،
ودع العمر ، وزالت منه معالم الشباب.
-
قلبك مركب ، كلهن
راكبات فيه
يرسم البسمة على
شفتين ، مخفيا تقطع أنياط قلبه ، وتحن الروح الى لمسة حقيقية
، يزيل بها ما علق بالقلب من أدران ، أنى له ان يشهد جمال
الصدق ، وهو محكوم عليه ، ان يعيش كذبا متواصلا ، وادعاء كبيرا
، فلم يعد يدرك ان في الوجود ، لحظات يمكن ان تضحي من اجلها ،
لجمال صدقها ، ونبل مشاعرها.........
الفصل الثالث
لم امتلك الشجاعة
اللازمة لمواجهة الأمور ، وحين أتاحت لي الصدف أن أتعرف الى
سميرة ، اعتقدت دائما إنني محظوظة بصداقتها ، فهي رغم كونها
متزنة ، وفق ما يحمله مجتمعنا من مفاهيم ، الا إنها شجاعة ، لا
تعرف كيف تجامل ، وصدقها ذاك ، جعلها موضع نقمة الكثيرين ،
ولكن كنت أغبطها على مواقفها العديدة ، لقول كلمتها الصادقة ،
رغم تخلي الكثير عنها ، سمعت بها من المحيطين بي ، واستطعت ان
أكون صديقة مقربة منها ، نخرج معا ، ونقرأ نفس الكتب ، ونصغي
الى عين الأصدقاء ، لم تكن تطلب مني أمرا الا الإخلاص في
الموقف ، وكنت سعيدة بكوني قريبة منها ، وكثيرا ما كنت اعبر
لها ، عن حجم اعتزازي بصداقتها ، فيكون جوابها آسرا:
-
أنت جميلة ،، تجدين
الكون ناصع البهاء
-
أحيانا
اشعر إنها أفضل مني بكثير ، وأحاول ان أكون قاسية في نقد
تصرفاتها ، ولأنها كبيرة الثقة بنفسها ، كانت تقبل نقدي
بابتسامة عريضة ، ثقتها هذه محط الإعجاب الكبير ، في منزلي
كانت موضع الترحيب ،من أفراد الأسرة ، كنا ذلك الوقت لا نملك
حرية التصرف ، ولا نستطيع ان ندعو من نشاء ،من الصديقات الى
منازلنا ، استفسار الآباء يلح في معرفة كل شيء
-
من صديقتك هذه ؟
وأين تسكن ؟ وماذا يشتغل أبوها ؟
سميرة كانت ترحب
بصداقات الجميع ، دون ان يشك بها أحد ، صراحتها المعهودة
بالحديث ، وعدم المجاملة هي الصفة الوحيدة التي أبعدت بعض
الناس عنها.
ابتعدت عني حين
التخرج ، ولم اعد أجد من يشاركني ، الاهتمامات الجميلة التي
كانت تحظى بالحب والرغبة من كلينا ، وأصبحت أيامي كئيبة ، وجدت
نفسي وحيدة ، لعل الكثيرين لا يفهمون سر العلاقة الناجحة ، بين
فتاتين في مجتمعنا المحافظ ، الذي يرحب بالصداقة بين الذكور ،
وينظر باستغراب الى علاقة وطيدة ، بين فتاتين ، جمعتهما
الهوايات المشتركة ، لهذا حاولت العثور على صديقة مرافقة أخرى
، لكن سميرة لم يكن لها مثيل كما اعتادت ان تقول مازحة ،
خرجنا مرة في مجموعة ،ذكورا وإناثا ، مضينا الى دجلة ، ركبنا
قاربا صغيرا ، أخذت الأمواج تداعب زورقنا ، مرة تدفعه الى
الأمام وأخرى توجهه الى الخلف ، ونحن نواصل الضحك والابتهاج ،
ارتسم الخوف على وجهي ، ضحكوا من جزعي طويلا ، لم اشعر بعدم
الارتياح من قهقهاتهم المتواصلة ، فقد كانوا إخوة لي ، وأصدقاء
أعزاء. تشتد الرياح فجأة على قاربنا الصغير ، وتعلو وتيرة خوفي
وجزعي ، ألاحظ إن القريبين مني ، يقطعون ضحكاتهم المتواصلة ،
ليعالجوا أمر القارب ، الذي دفعته الرياح بعيدا عن جادة الصواب
، يمسك احدهم الدفة ، ويغالب الأمواج العالية ، ويجاهد كي يعيد
قاربنا المتمايل ، الى وجهته الصحيحة ، يمسكني الجزع ويغلبني
الخوف المتفاقم ، وأصحو من هلعي على صوت تصفيق عال مشجع
-
عشت صديقنا ،
أنقذتنا من موت محقق
لم تعرف سميرة
العوم ، لكني كنت واثقة تماما ،ان البوصلة ما كانت تفقدها في
مثل هذه اللحظات العصيبة.....
الفصل الرابع
لست أدري كيف أحببتك
؟ أنت الذي عرفتك كل النساء اللواتي ، وقعت في غرامهن انك لعوب
، لا تحترم كلماتك ، ولا تقدر حرفك ، كيف أصغيت إليك ، ونسيت
اتزاني ، ذلك المعهود عني ، وصدقت دعواك انك تحبني ، كلمة
واحدة قلتها لي ، فرحب القلب المتعطش ، وتناسيت حذري المعروف ،
أردت أن أصدقك ، وأضع حدا للصيام الطويل ، الذي مارسته ضد نفسي
، كنت متغربة في هذا العالم السحيق ، وقد وجدت كل أنثى ، من
يملأ القلب لها ، ويضيء العتمة في حياتها ، حاربت كل لحظات
الهيام ، لأ برهن لنفسي إنني قوية ، وإذا بي هشة حتى النخاع ،
صدقتك ، وقد عرفتك الأخريات انك لا تثبت على عهد ، تتغير
عواطفك ، تغير الرياح في الصحراء ، لم اعهد أحدا مثلك ، هوائي
المشاعر ، متغيرا ، يبغض الثبات ، ويمقت البقاء على العهد ،
كلمة واحدة قلتها لي ، من عرفك بطريقي ؟، ونصحك ان تقف فيها
معبرا لي ، عن هيامك المزعوم ، من أخبرك إني ظامئة الى الحنان
، وإنني عطشى الى ضمة حب حقيقي ، من أنبأ ك أنني تعبت من
الصيام ، وحان لي أن أفطر ، على عاطفة صادقة ، تضع حدا لمتاعبي
، كلمة واحدة قلتها لي ، وقد صدقت بها ، رغم انك حاولت
الابتعاد عن طريقي ، وادعيت انك معدم ،تستحق ان أتصدق عليك ،
وان عائلة كبيرة تعتمد عليك ، وأنت رجلها الوحيد ، وانك يجب ان
تمنحها راتبك ، فقد تعودت انك المانح الفرد ، والملبي لحاجاتها
، وانك تحبني بكل قوة من كيانك ، لكنك مرغم فيما تفعله ، ولقد
أضافت مزاعمك الجديدة هذه ، رصيدا الى ما كنت أتوهمه عنك ،من
كريم الخصال وطيب المعدن ، خاطبت نفسي ان الإنسان المحسن الى
والديه ، لابد ان يكون محسنا مع عائلته الجديدة ، مع زوجته
وأولاده ، من أين جاءني هذا اليقين ؟ لست أعلم ، الذي اعرفه
أنني كنت أطمئن إليك ، وأثق بما تقوله ثقة كبيرة ، ربما لم
اعهد من رجل في عالمي ، ان يعتمد كل الاعتماد على امرأته قبل
ان يرتبطا ، مضيت تقول لي انه لا فرق بيني وبينك ، وإنني
مخلوقة عصرية ، وسوف اثبت ما أدعو اليه من مساواة ، وأنا
مغمضة العينين ، مسدودة الإذنين ، امضي في طريق لا أعلم عنه
شيئا ، تحدثني عن صديقاتك الموقرات ، تصفهن لي تمام الوصف ،
تتكلم عن جمالهن الأخاذ ، وتغدق عليهن الهدايا الثمينة ، مدعيا
انك تتميز بالحياء ، وانك لا يمكن الا تلبي دعوة من امرأة
حسناء ، تهرع اليك طالبة منك ان تمدها بالإحسان
تسهب في حديثك عن لطيفة وسهام ، وإنهما
المقربتان إليك ، وانك تخبرهما عن كل ما يمر بك ، وما يقع لك
من أمور ، وانك تجدهما صديقتين مقربتين كالرجال ، تحدثهما عن
أمورنا القليلة ، التي تهمنا لوحدنا ، وأنت تفتعل الأعذار
انهما أختاك المقربتان ، وأنهما يعلمان ما هو طبيعي ، ومحتمل
الوقوع ،
يدفعني
الفضول الى التعرف إليهما ، أرى أنهما طاغيتا الفتنة ، تسير
الأنوثة من أعطافهما أينما سارتا ، تتحدثان معا وتقلبان
حديثكما ، قلا يعرف السامع إليكما ما ذا تقولان ؟، وأنا أطرش
بالزفة ، وحين أستفسر منك ، لماذا تتحدثان بهذه الطريقة ،
تجيبني على الفور أنها أمور خاصة بهما ، وقد طلبتا منك عدم
إفشائها ، وأنت الأمين ،عليك ان تنفذ إرادتهما ، وإلا
اتهمتاك بالخيانة ، وأنا مبهورة بمزاياك ، وكأنك هبطت على
دنياي كالغيث ، فأحييت مواتها ، وزرعت أزاهيرها وسقيت عطاشها ،
لم صدقتك ؟ وكيف انطلى وضعك المتقلب علي ، ومن أين لي أن ادري
أن إنسانا ، يمكن ان يكون على شاكلتك ، مداج ، خداع ، لا يثبت
على قرار ، متغير ، يهيم بكلمة كاذبة ، ويترك الخل ، بلا سبب
وجيه ، ينظر الأصدقاء الي بتساؤل ، كيف انطلت علي خديعتك ؟وكيف
مضيت جذلى الى هاوية قبري ، وموضع وأد روحي وانهزام شخصيتي ؟
الفصل الخامس
كان الوسط بين
إخوته ، الأول مدلل ، ينفذون له ما أراد ، طلباته مستجابة ،
ورغباته محققة ، والأخير ، آخر العنقود ، يشير بيده إلى الشيء
، فيفهم الوالدان ، بأنه يريد الحصول عليه ، وهو الوسط ، يخاف
من الكبير ، فيطيعه طاعة عمياء ، ويخشى من الصغير ، ويسعى الا
يتهمه بعدم الإحسان إليه ، ويسارع بالبكاء متهما انه ابتعد
عنه ، وما قدر له صغر سنه ، وانه حائر بينهما ، يقلد الكبير
طمعا ، في حصاد الحب الذي يتمتع به ، فإذا العيون تزدريه ، انه
ضعيف الشخصية ، لا إرادة له، يسير دون تفكير ، وان جرى وراء
رغبات الصغير ، سمع قهقهات الناس ، مستصغرين شأنه، وانه يبدو
اقل من عمره ، لا يتمتع بما حباه الله لأخويه معا ، لا يفكر
ان يختط لنفسه ، طريقا مختلفا ، فيحصد حب الناس وتقديرهم ،
تقليد أخويه ما يسعى اليه ، يرى استحسان الأقارب لتصرف أخويه
، فيسير مقتفيا أثرهما ، لكنه لا يوفق في سعيه ، كل ما حصده
كان في أرض قاحلة ، لم تعرف الإرواء ، تذهب جهوده هدرا ، لم
يجن عنها ثمرا ، ولا وجد لها عاقبة حسنة ، فكر انه يمكنه ،أن
يسير خلف من يملك صوتا عاليا ، فيقيه الوقوع في غائلة غضب
الآخرين واستبدادهم ، أضحى مرتفع الصوت عالي النبرة ، ينطلق
صراخه ، حين يجد تقديرا ، ويصمت بخوف ، حيث يزدريه الآخر
مقللا من شأنه
يردد الأفكار
الجميلة ، وحين يطالبه الآخرون بالسداد ، يرتفع صوته محتجا ،
انه ابن أبيه ، الذي لم يترك سيئا الا سار عليه ، ولم يجعل
نقيصة تعتب عليه ، وانه عاش عمره طولا وعرضا ، تنهال عليه
اللعنات ، وان الإنسان المتسامح ضعيف يستحق القصاص ، والمرء
القوي ينال حقوقه ، بقدرته ، ويضيف اليها حقوق من لم يحسن
قراع الآخرين ، او سلب ما يملكون
من أين له ان يقارن
بين الحقيقة والخيال ، أو بين الصحة والخطأ ،؟ وأبوه يسارع الى
الصراخ حين يرى تفهما ، ويسكت على مضض مستمتعا بالانهزام ،أمام
جبروت من لا قلب لهم ، جرب ان يكون مختلفا ، وأعياه الحال ،
لامنقذ له ، يضحكون لحديثه ، ولا يأخذونه مأخذ الجد ، فاستقر
لديه انه مهرجهم المقرب ، يهرعون إليه اذا ما اشتدت عليهم
الدنيا ، وحلكت أيامهم ، واسود ت الحال ، يروي لهم ما جد
عنده من قصص ،تدفع على الضحك المتواصل ، وتحث على الابتسام ،
وقلبه في لوعة ، ونفسه في جحيم ، ما الذي يمكنه ان يعمله ،
وقد استقر حاله مهرجا ، يستدر ضحكاتهم من أنفسهم المجهدة ،
ونفوسهم التي ملأها السقم ، واعتراها الهم ، واستوطنها الكمد ،
فإذا ما اشتد عليه الحال ، ووجد انه من المحال ، ان يرضى لنفسك
ان تكون على هذا المال ، هرع الى من يحبه وهم نفر قليل ، لتحل
عليهم نقمته ، كيف يحبه شخص وقد بعد عنه الناس أجمعون ؟ يتلفظ
بكلماته الجهنمية ساعيا الى إثارة الغضب ، وتحريك نار النقمة
بعد أن اعتراها الرماد ، وبعث جمر النفوس الملومة من رقادها ،
وحين يطمئن الى نجاحه في مسعاه ، تنطلق ضحكاته ،لتحل على من
وجد فيها الحبيبة ، فتلقنها درسا في الحذر ، وان المؤمن لا
يلدغ من جحر مرتين ، ادعى انه يملك عاطفة جياشة ، يريد ان
يغدقها عليها ، مكرما إياها ، بعد ان أعجبته خصالها ، التي
قال إنها كريمة ، صدقت كلماته الحسان ، وهي تمني النفس ، ان
أيامها البائسات ، سوف تشهد انبلاجا على يديه ، وان حزنها
المستديم سوف تافل شمسه ، بعد ان يهل على أرضها ، بكريم
أفعاله ، وبحنانه الذي وجدته يستحق إعجابها ، وان تجعل منه
موئلا ، فاتها انه قد يحسن التمثيل ، ماهر في الظهور بما
يناقض حقيقته الساطعة ، وان القول الجميل ، قد لا يكون معبرا
عن قلب عاشق ، ونفس متعطشة الى إرواء المحب ، صدقت دعواه ،
وحينذاك ، أظلمت الدنيا في ناظريها ، واشتد لهيبها ، يحرقها
بجحيم ، لم تعهده من قبل ، ولا مر بخاطرها ، أنها ستشهد
يوما تعذيبا ،على يد من أسلمت له القياد ، متوهمة انه سيذيقها
الشهد بدلا من العلقم ، كيف انطلت دعواه عليها ؟ كيف أمكنه ان
يت لها انه متيم ؟ ، لا تعرف مشاعره التغير ، وانه باق على
العهد ، مادامت النفس تتردد في هذا الجسد ، الحذر لا ينجي من
الخطر ، كما يقولون ، صدقت بدعواه ، وانطلت عليها حيلته ،
وذهبت تجري ، تستجدي منه النظرات الولهى ، والمواقف المؤيدة ،
وهو يتحاشى الوقوف بجانبها
الفصل السادس
عرفت الاثنين معا ، من اعز أصدقائي ، سميرة
عرفتها أيام الجامعة ، أعجبت بشخصيتها المتزنة وأخلاقها
الحميدة وثقافتها العالية ، ورغبتها الدائمة في قهر الصعاب
التي تعترض الطريق ، لم تنهزم أبدا اذا ما ادلهمت الخطوب ،
وأحمد طيب القلب
،لكنه
سريع الغضب ، قد يهد بسرعة كل شيء ، الاثنان أصدقائي ،سألني أن
أساعده في العثور على امرأة جميلة ، ووفية يقترن بها ، وكانت
هي صديقتي المقربة ، فأرشدته إليها ، وما كان في ظني ، انه
يسارع في الهيام بها ، كنت اعرف انه يعجل ، في الإعجاب
بالشخصيات النسائية ،على اختلاف طبائعها ـ فكرت أنها بما تملك
من قدرة ،على تغيير القبيح ، من الصفات ،قادرة على إنقاذه ،
من مثالبه الظاهرة للعيان ، جمعت بين الاثنين وأثنيت على كل
واحد منهما ، أمام الآخر ، وساعدتهما على التعرف ، وجلست أولا
بينهما ، ثم عرفت أنهما ، استغنيا عن وجودي بينهما ، وأدركا
حاجة كليهما ، إلى الآخر فهما رغم تباينهما ، اللافت للنظر
،شخصيتان متقاربتان حقا ، يحملان الكثير من الصفات المتشابهة ،
وجمع رأسين بالحلال من الأمور ،التي يثيب عليها الله ورغم
إنها كانت محل إعجاب الكثيرين ، إلا إني وجدتها تنجذب إليه
بسرعة ، لم أكن أتوقعها ، ففرحت بنجاح مسعاي ، وأدركت أنهما
يمكن أن يكونا ثنائيا رائعا ،منسجما ومتآلفا في الكثير من
الأمور، الهوايات كانت عديدة ، ومتشابهة لدى كليهما ،
والأصدقاء عينهم ، يتكرر ذكرهم لدى الشخصيتين الجميلتين ، وطنت
نفسي ، على الجمع بين صديقي المقربين ، في رابط متين من المحبة
، لا تسمو عليه وشيجة أخرى ، ورغم ما في عملي هذا ، من تراجع
ظاهر ، في طريقة صنع علاقة تعتبر أعلى مرتبة ، من علاقات
التواصل الإنساني المتين ، الا إنني سرت في تنفيذ خطتي ، كنت
أرجو ان اجعلهما سعيدين يرنوان إلى بعضهما وقد ربطت بينهما
أسمى العلاقات
زادت في الآونة
الأخيرة استفساراته عنها ، ويبدو عليه الشوق الى لقياها ظاهرا
جلب قناني العرق
المسيح ، وطلب منا جميعا – نحن أصدقاؤه- ان نرافقه في سهرة
جميلة ، على أنغام عزف العود الشجي ، ومصاحبة الغناء القديم ،
تعجبني دائما تلك السهرات الجميلة ، وبودي ان احضرها مع
الأصدقاء ، ولكن الأسرة تحول بيني وبين تحقيق رغبتي ، في
الكثير من المناسبات الرائعة ، أجد صديقاتي يسارعن ،الى
ارتشاف لحظات من البهجة ، قد لا يجود بمثلها الزمان ، وأظل
وحيدة مع كتابي ، لو كنت سميرة قربي ، لاستطعنا ان نبدد خوف
أفراد الأسرة من حضور هذه المناسبات ، وحققنا فرحتنا المؤودة ،
وتطلعنا إلى قضاء الممتع ، ورؤية المبهج ،في حياتنا القصيرة
الخالية من الفرح ، والتي تمضي أيامها كالحات ،من غير معنى
جاذب ، يمنح لحظات الحياة ألقها المبتغى
كنت آمل ان امضي
معهم ، لأتمتع بلحظات بهيجة من الرقص الجميل ، والعزف الشجي
والغناء الآسر ، وإلقاء شاد لما جادت به قرائح اكبر الشعراء ،
من روائع الكلمات وبهاء المعاني ، ولكني عجزت ان أحقق أملي ،
وعدت أدراجي خائبة الى المنزل ، اطمح ان أتمكن من تحقيق أحلامي
اليسيرة هذه اذا ما ارتبطت صديقتي بحبيبها الموعود......
الفصل السابع
تزدريك النفس ،
وتقتحمك العين ، بجسدك الواهن وعظامك النافرة ، وعينيك
البارزتين ، وخطواتك المترددة ، اية لعنة حلت علي حينذاك ، حين
انفتحت شراييني لك بعد ان قررت على وأدها ، صممت على قراري
سنين طوال ، ثم خذلت نفسي موهمة إياها ، أن الغيث سينزل غاسلا
ارضي ، مزيلا ما علق من أدران في نفسي الموجعة ، وقلبي الظامئ
، أي انقلاب أحدثته كلماتك المورقة في صحراء حياتي ، فجعلت
أشجارها تنبت زهورها من جديد ، بعد أن أيبسها الجفاف ، أية
قدرة تملكها كلماتك المعسولة ، حين تستقر في أقاصي الفؤاد ،
واثقة من صدق دعواك ، لم أتيتني ؟ ولم لم تدعني هانئة بالهدوء،
الذي كان مهيمنا على حياتي ، من أخبرك أنني لهفى على كلمة
واحدة ، لتروي عطشي المستديم ، جئتني في نهار قد اسودت سماؤه
، لتخبرني انك متيم بي ، وانك لم تعرف امرأة أخرى سواي ، وانك
أعجبت بشمائلي ،حين وقعت عيناك علي أول مرة ، وانك تتمنى ان
نكون معا ، لنشيد قصورا من المحبة ، بعواطفنا الغالية ،
ونفوسنا الكبيرة ، ولأنني أملك ثقة لا تتزعزع بالجمال ، أوهمت
نفسي انك صادق في زعمك ، وان الدنيا قد قررت إزالة الصخور ،
التي طالما وضعتها في طريقي ، وإنها أرسلتك ، لتزيل المصاعب
التي اعترضت طريقي ، وأدمنت اعتراضها ، حديثك المهذب الجميل ،
أغراني ، ودفعني الى التصديق بما تقول ، رحبت بمجيئك ، متيقنة
أن أيامي الذابلة ، سيمر بها الربيع باشا مرحبا ، وان قلبي
القانط ، سوف يشهد انفتاحا على العالم ، لم بعهده من قبل ، أنت
لا تملك شيئا سوى قلبك الدافئ ، ولسانك الماهر على نسج أسورة
، من المحبة تقتلع ما نبت في أعماق قلبي ،من شعور بالخذلان
، لم لا أقف بجانبك ؟ وأنت تريد إسعادي وتغيير حياتي ، الى
أيام مترعات بالجمال ، لم أتردد ؟ والدنيا تبتسم لمن انضم الى
غيره ، متعاونا يشد أزره ، يذلل له الصعوبات ، وأنت توأم نفسي
المكلومة ، التي لم تشهد سعادتها قبل مجيئك ، وها انك تغرس
فيها شتلات من الود ، وتعيد إليها صفاءها المطلوب ، أية قوة
كنت تملك ، جعلتني بها اجري خلفك ، حارقة جميع ما اتصفت به
،من قوة الإرادة ومن روعة التصميم ، هل غابت عني حقيقة نفسي
حينذاك ؟ وهل كنت واهمة ،في تقدير مدى قوتي واحتمالي ، وكيف
ادعيت إنني قد ملكت زمام نفسي ، وأنا أهرول خلفك ، اثر كلمة
واحدة اسمعها منك ، هل نفهم الإنسان القابع فينا ؟ كما ندعي ،
وهل تغيب عنا حقيقة أنفسنا ، ونحن نتصالح مع أشخاص معينين ؟
ونتحارب مع آخرين ؟ ما الذي جعلني اترك ما وطنت نفسي عليه ؟،
أهملت أحلامي التي أنفقت وقتا طويلا في تحقيقها ، هجرت إرادتي
ورغبتي بالاستقلال ، والوصول الى غاياتي العديدات ، واكتفيت أن
يسعد القلب بالقرب منك ، وماذا يمكن ان نطلب من الدنيا، أكثر
من إسعاد القلب الظمآن ، أليست هذه ابعد الأحلام وأقواها ،
وأقربها الى النفوس ؟ أنت لا تملك شيئا ،لم لا أقف بجانبك ،
وأنت سوف تطعمني الشهد ، وتريني آيات من الجمال الرفيع ـ الا
أطالب بالمساواة ؟ لماذا لا أعلنها أمام العالم ، أننا
شريكان في الحياة معا ، نناضل من اجل سعادتنا ، ونسعى ليضمنا
مأوى مشترك ، يقينا صقيع الوحدة ويحفظنا من الحاجة المستعرة
الى الحب ؟ لماذا لا أعلن أمام العالم ، أننا سوف نكون واحدا ،
بدلا من اثنين ؟ وإنني قد قررت أخيرا ،على وأد الشعور
بالهزيمة الذي أحاط بي ، ومنعني من الابتهاج ، وها هو اليوم
يطرق بابي ، أعرفك بأفراد أسرتي ، يرحبون بمقدمك ، ويهللون
بمجيئك ، ظنا منهم ان القلب قد استقر أخيرا على اختيار من
يستوطنه......
الفصل الثامن
وماذا يمكنني أن
افعل ؟ وقد خلقني الله ضعيفا متخاذلا ، مقهورا ، لا املك شروى
نقير ، كل ما ادخره من هذه الحياة ، كلمات معسولة ، أضعها في
طريق الفتيات ، فتجعلهن صرعى ، لا يصدقن ان مخلوقا بائسا مثلي
، يحبهن كما تحمله كلماتي الفقيرات من الصدق ، ماذا يمكنني
ان افعل ؟ وهن يسارعن الى تصديقي ؟ هل اعترف أمامهن ، إنني لا
اعني من كلامي ، غير إقامة سويعات من البهجة ، نقضيها في لهو ،
وطلب للدفء المستحيل ، هن مسكينات ، يرغبن بالتصديق ، وأنا
مثلهن خائر القوى ، متهالك ، ، أتلفظ بالكلمات السحرية أمامهن
، فيتسابقن الى أحضاني ، جاهلات إنني لا املك قدرة ،على منحهن
الشعور بالدف ، فانا نفسي اعجز عن الإحساس به ، كيف يمكن
لمقرور ، أن يمنح الفييء للنفوس ، التي تشعر بوحشتها أمام
غربة الروح ؟ جسدي بائس ، وروحي ناقصة ، وجيوبي فارغة ، ولساني
ماهر في منح كلمات كالعسل المصفى ، هذه موهبتي الوحيدة ، ألم
يقولوا ان المرأة بنصف عقل ؟ وأنها تصدق دعاوى الحب، التي
تدعيها كلمات ، لا تملك حرارة اليقين ، من قال لهن أن يجرين
خلفي ؟ أنا المخلوق البائس الضعيف ؟ مسكين أنا ، يتملكني الضعف
المستديم ، وتقتلني المرارة الفتاكة ، أنا دون الآخرين ، من
يمكن ان يشعر بي ، ويمنحني الحنان والدفء الذي تدعيه كلماتي
المعسولة ، في هذا الخراب المتناهي ، من لي ؟ في الصحارى
الشاسعة ، من الم الروح القاضية على كل زرع بهيج ، بعد أن
رويت قصص الحب المختلفة ،على سلمى وسناء ، فأصابهما وابل من
الضحك ، تصحبه أصوات من الرعد الصاعق ، فأيقنت بعدها أنني لست
صالحا كي تحبني أنثى ، بعد ان توالت هزائمي ، وأصاب الهزال
روحي ، وأيقنت ان كل النساء ، يرغبن بكلماتي الضاحكة ، التي
تجعل بعض لحظات الحياة ، اخف وطأة ، وادعى الى الاحتمال ،
أدركت بعد نأي الحبيبات ، وطلبهن ان يبقين صديقات ،أنني معزول
، ليس بمقدور الجميلات ان يجدن رجولتي المختفية ، وكيف لها ان
تظل متوارية كل هذا الوقت ؟؟
حدثتهن عن حبي
الكبير لهن ، فظهر عليهن الاستغراب واضحا
-
كيف تجرؤ ؟
-
..........
-
اسقط في يدي ، ولم
اعرف كيف أجيب؟ مدافعا عن نفسي ،مبرئا إياها من تهمة شنعاء ،
يريدون إلصاقها بي ، عرفت إنني مطلوب في بعض الحاجات ، ولست
مرغوبا ،ان فكرت الأنثى بمن يطفئ لها حريق القلب ، وإنني لست
مهيئا كي اخفف ، حرارة الرغبات الاوارة التي تنهش في جسد
الإناث ، وتذهب بعقولهن ، وان هذا العجز والشعور بالحرمان
قدري.
رأيتها أمامي ،
وردة جميلة في طريقها الى التفتح ، فأينعت إرادتي ، أحببتها
نعم ، تهيأ لي أنني واصل الى أعماق حقيقية من السعادة ، وان
بؤسي المتواصل ، سوف أضع حدا له ، من يدريني ان ضالتي تكون
منبع سقمي؟ ، واصل بلائي ؟ ابتسمت الوردة الملائكية لي ،
فازدهرت زهور نفسي ، وأظهرت أزاهيرها يانعة باسمة ، استجابت
الوردة اليانعة لطلبي ، وانا المسرور بما ادخرته الأيام لي
،من بهجة ، يستحيل علي ان أفسر حقيقتها ، وأنا الفقير المعدم
، لماذا اقتل فرحتي بيدي ، وأعلن أمام الملا ،أنني بائس مسكين
تحل عليه الشفقة ، اظهر نقيض ما بطن مني ، وان المسكينة التي
وهبها الله لي ، لها قلب طفل جميل ، قد صدقت دعواي بالحب
الخالد ، من يمكنه ان يزعم ان الحب لا يزول ، وان قطرات الندى
، لا تلبث ان تصبح أعاصير هوجاء ؟ من يعلم ما تخبئه له
الأقدار؟، أعلنت حبي للملاك الطاهر ، الذي تبسم في وجهي ، وانا
أفكر بما يخفيه عني طالعي ، أصحيح أن الدنيا ابتسمت لي
أخيرا؟، وان نحسي زال عني ؟
جاءتني والبسمة
المتفائلة ، تزرع على ثغرها الفتان ، بقامتها الهيفاء ،
وشعرها الطويل ، ووجهها الطفولي ، وثقافتها العريقة ، هدوء
جميل ، وثقة بصحة الأفكار ، وعمل يدر راتبا متواصلا ، ومنزل
يأوينا بعد طول حرمان ، فماذا انتظر بعد هذا كله ؟ أأتركها
لغيري؟، وأنا معروف عني : أهيم بكل امرأة ،من لفظة جميلة
واحدة ، وكل ما فيها ينطق بالجمال ؟
أثار حضورها الإعجاب
، تساءلت في البداية ، أيمكن ان اجعلها تحبني ، والجميع يعرفون
بعدم قدرتي ، ان أكون جادا في هذه الأمور ، لأجرب حظي ، علها
تستجيب لطلبي ، وتتغير أبراج عمري ، من تعاسة مقيمة الى سعادة
كبيرة ، لقد تنقل النحس معي من مكان الى آخر
وجدتها ساذجة في
العلاقات ، لم تجرب تبادل الحب ، ولا عرفت غير العلاقات
البريئة / التي تقوم بين الجنسين ، أشعلتها هياما بي بدون جهد
، لأتناسى عهد الخيبات المتلاحقة ، والجري خلف النساء ،رغبة
في الحصول على كلمة رضا تشفي الغليل ، وتضع حدا لسنين متواصلة
من الهم والغربة
حاول الأصدقاء في
البداية ثني عن عزمي ، قائلين أننا غير متناسبين ، وحين وجدوا
اصرار على التمسك بالعلاقة ، ظنوا إني واقع بالحب ، وقد شربت
الكأس حتى ثمالته ،قرروا أن ينظموا احتفالا صغيرا ، تلقي فيه
بعض قصائدها ، التي كتب عنها الكثيرون مادحين منوهين ، وكنت
أزعم انها لا تحسن نظم الشعر ، خشية ان تصاب بالغرور ، من
كثرة ما تتصف بما يستدعي المديح ، لهذا لم أشارك مع المادحين ،
أثار سكوتي تساؤلاتها الحيرى:
-
كيف وجدت قصائدي ؟
-
لا ادري ، ا لا
أحسن المجاملة ، قد تجدينني جلفا ، أتفوه بالكلام الخشن المثير
للألم ،ولكن نفسي طيبة
لعلها استحسنت
كلامي الغامض ، وتناست كل القائلين بعذب الكلام ، ووجدتني
ضالتها المنشودة ، التي سوف تصدقها الكلام ، لم تلتفت الى من
يراها آية في الفتنة ، مما جعلني أستأثر بالجلوس معها طيلة
الوقت ، وأنا امني النفس، ان علاقتنا تأتي أكلها في المستقبل
القريب ، وان هذه المخلوقة ،التي لم تعرف الحرمان كما عرفت ،
ستقع في حبائلي التي أتقن نسجها، حول رقبتها الطويلة الأنيقة.
لم اشعر معها
بأمواج ،من البحر تتلاعب بي ، وتقذفني الى أماكن سحيقة من
الأعماق ، او تصعد بي الى أعالي القمم ، كما كنت مع النساء
الأخريات ، اللاتي كن اقل منها جمالا ، ولكن نصيحة بعض
الأصدقاء والمعارف، ما فتئت تلاحقني، أنني يجب أن انتهز الفرصة
، التي هبطت علي من السماء لتنقلني من مهاوي اليأس الى ذرى
السعادة
-
بين لها حبك
الكبير..
لم أجرؤ أن أوضح
للناصحين ، ان ما اشعر به نحوها لم يكن حبا ، قد يكون إعجابا ،
وهي تستحق الإعجاب ، فانا طيلة معاشرتي للنساء ، لم أجد في
نفسي ميلا للمرأة المستقيمة ،التي نراها مالوقة في مجتمعنا
الحاد ، وتلتزم بمكارم الأخلاق ،التي اتفق عليها الأقدمون ،
وأصبحت تحظى باجماع الرأي العام ،أحب المرأة المتحررة ، التي
تبث عواطفها ، ولا تبالي ، اثارت بها الاحترام والتقدير ام
الاستياء ، لم نكن شخصيتين متجانستين ، انا من بيئة متحررة ،
عاشر أبي نساء عديدات ، وكنت أحذو حذوه ، وهي من بيئة أخرى ،
تحاسب المرء على كل تصرف ، بيئة العيب ، لم أكن أتعاطف معها ،
جميع من أحببت كن يجرين خلف عواطفهن ، ولا يفكرن بالنتائج ،
غير مباليات بما يقوله الجميع ، مادمن مكتفيات بما يقدمه الحب
، لأنفسهن الظمأى ، وجميع من أحببت قبلها ما أحببنني ، فلا ضير
أن أجرب
ومن كثرة ما ألح
علي الناصحون ، تهيأ لي أنني أغرمت بها ، بعد ان أكثرت من
الخروج معها ، والسهر ، والسير متشابكي الأيدي في الشوارع ،
وماذا في الأمر ؟ كنت امشي مع شقيقتي ابنة أبي وأمي ، وأيادينا
تعزف مقطوعات من الجمال ، لم يصر بعض الناس ان ما بيننا هيام
؟ ولكن ماذا يسيئني ان قلت لها كلمة واحدة تجعلها سعيدة:
-
احبك
قلتها مئات المرات
، لكني لم الحظ أن سامعتها ، توشك ان تطير من فرط السعادة ،
إلا الآن مع فتاتي هذه ، دموعها تنسكب بصمت على وجنتيها ،
وتسيل على فمها ، أراقب مسحورا المنظر ، الذي وجدت نفسي فيه ،
يمكن لهذه الفتاة ، ان تحارب العالم كله ،ان وجدته ضد رجلها ،
فلأستمر في قراري ، ولتكن لي الجولة الأولى ، في أعماق نفسها
الجميلة..
الفصل التاسع
لم تكن بعض المواد
تستهوينا ، يصيبنا النعاس حين يأخذ بعض الأساتذة بالكلام ،
مغلقين علينا أبواب المناقشة ، وفارضين رأيهم الواحد ، ورغم
ان أغلبية الدروس ، ننصت إليها منتبهين ، حريصين على الا
يفوتنا منها شرح او تعليق ، او رأي وجيه يقوم بطرحه الأستاذ ،
او يذكره من ضمن المدارس النقدية الكثيرة ، التي يعلمنا إياها
، واضعا أمامنا انه لاشيء ثابت ، في مكانه في طرق الدراسة
والبحث.
اخذ الأستاذ يهاجم
الحركات النسائية ، وكل مخلوقة تطالب بالمساواة ، متهما
إياهن ،إنهن فارغات هامشيات ، لا أمر جديا يحظى باهتمامهن ،
وأنهن بليدات جدا ، فما كان من سميرة ، الا ان تتصدى لوجهة
النظر تلك ، مناقشة الأستاذ ، ذاكرة له الآراء المختلفة ، التي
تنقض ما ذهب إليه من رأي مجحف ، سكت الأستاذ ولم يبد اعتراضا ،
لكن الذي أثار الاستغراب ، إن درجات سميرة في درسه ، قد انخفضت
، عما كانت عليه في بداية التقييم ، واقل مما اعتادت ان تكون
عليه ، تقييمات الأساتذة الآخرين ، قال لنا الأستاذ حين وزع
علينا الدرجات:
-
احب ان اسمع آراءكم
بكل حرية ، من لديه وجهة نظر مختلفة ،/ فليتفضل بذكر الدلائل
لتعزيزها ، ثم خرج من قاعة الدروس.
طلبت مني سميرة أن
اصحبها ، لمناقشة الأستاذ في أمر تقييمه ، لورقة الامتحان التي
لم ترضها ، خرجنا معا في تلك الظهيرة ، المرتفعة الحرارة من
شهر حزيران ، نيمم شطر الكلية الثانية ، التي يحاضر فيها
الأستاذ نفسه ، كانت الحرارة لاهبة ، ولم نجد سيارة أجرة
،تقلنا الى المكان المنشود ،
-
لم لا نؤجل القضية
إلى وقت آخر ؟ تكونين فيه قد استردت رباطة جأشك ، أجدك الآن
غاضبة ، وقد لا تفلحين في مناقشة الأستاذ
-
اطرق الحديد ساخنا
، صديقتي العزيزة.
خلت الطرق في ذلك
الجو المكهرب من المارة ، أشفقت على صديقتي من فشل مساعيها ،
في عودة الحق الى نصابه
وصلنا الى ضالتنا ،
بعد ان اخذ التعب منا كل مأخذ ، وطلبنا ان نرى الأستاذ، رفض
ان يقابلنا ، بحجة انه تعبان ، وعلينا ان نراه وقتا آخر
لنشرح ما نريد في
هذه الورقة( وكان قد بعث إلينا ورقة بيضاء بيد سكرتيره)
كتبت سميرة كلمة
عصماء، عن وجوب إعطاء الحق ، ومنح كل طالب ما يستحق ، لقاء
الجهود التي بذلها ، وسهر الليالي الطوال...
خرجنا من البناية
منهكتين ، ننشد الراحة ، وذهبت كل منا الى الوجهة التي تريد ،
بعد عناء التعب والإرهاق.
في محاضرة اليوم
التالي ، فاجأنا الأستاذ بالقول:
-
من يسيء الأدب ،
اجعل درجاته أوطأ من ذي قبل ، ومن كان قليل التربية ، فليصمت
،وذلك أفضل له ولنا.
ثورة عارمة تستبد
بصديقتي ، ولا اعلم كيف اسكب، بعض قطرات التهدئة، على نفسها
الطامحة، وروحها الأبية ، الساعية الى تحقيق المراد ، والبلوغ
الى الهدف الجميل.......
الفصل العاشر
عشت طوال عمرك
متمتعة بكل أمر ، تنالين كل شيء باجتهادك، وتوفير أسرتك له ،
ولكن أمرا واحدا ، لم تستطيعي الظفر به ، لم يحببك رجل حبا
قويا ساطعا ، وكنت تحلمين بان تتمتعي بشبابك الجميل ، ورقتك
المتناهية ، وتلك الصفات المثيرة للإعجاب التي حباك الله اياها
، فأكسبك منزلة كبيرة بين أصدقائك ومعارفك ، تحدثك الصديقات
عن لحظات ممتعة، من حب قوي يربطهن برجل ، فيدفعهن الى جلائل
الأعمال ،وجميل الحياة ، وانت تستمعين الى أحاديثهن العذبة ،
دون ان تعرفي ، كيف تنالين ما تطمحين اليه ، كلمة واحدة من رجل
، تجعلك اسعد المخلوقات ، تصعد بك الى أعالي السماوات ، وتخلق
منك إنسانا رائعا ، يغني بملء فيه ، انه محظوظ نال الحظوة ،
واسعد القلب ، بعد ان عاش محروما ، طوال سنوات كثيرة ، من
المتع الحقيقية التي تمنحها الحياة لأبنائها المجدين..
تسمعين كلمات
الإعجاب ، من أناس عديدين يحيطون بك ، ولكنك تسعين الى أكثر من
الإعجاب ، الى كلمة ‘عابقة بجمال الروح ، تنشل قلبك من برودة
الصقيع ،التي تهيمن عليه ، وتنقله الى جنات الفردوس ، كنت
وحيدة ، رغم آيات النجاح التي تحيط بك من كل جانب ، ورغم
البسمة الهانئة التي تحاولين ،ان ترسميها على ثغرك ، فيتهيأ
للرائي ، انك اسعد المخلوقات ، وأنت هكذا حائرة ، في أمر القلب
، الذي عاش عصيا ،تأتيك كلمات منه معسولة ، فتشعل لهيب نفسك ،
وتغدق عليك آيات الكرم ، وتنقلك من صحارى الروح والجسد ، الى
مفاتن الجمال وحلاوة الدفء الآسر:
-
احبك
تحرق الكلمة أعماقك
العطشى ،الى من يحجب عنها البرودة ، ويطعمها حبات من الألق
الجميل ، يروي روحها اليابسة ،التي ما عرفت طعم الوداد ، ولا
ذاقت حرارة الوصال
وإذا بالمخلوقة
الهادئة ، التي كنتها تتحول الى أخرى ، ليس لك بها عهد ، أيمكن
لكلمة واحدة ،ان تغير الطبيعة البشرية ، وتقلب مفاهيم استقر
عليها الإنسان منذ الصغر ، وثبت عليها ، وأيقن أنها الصحيحة
، ولا مجال أبدا، في تغييرها ، أيمكن ان تكون النفس الإنسانية
بهذا الضعف؟ ، فتتحول نتيجة سماعها كلمة واحدة ،الى نقيضها
من الصفات ؟ لماذا عشت محرومة من الحياة ، وما هي الأمور التي
استبدت باهتمامك ، فجعلتك تائهة عن الصراط القويم ، تناضلين لا
لشيء ، وإنما كي تذهب سنوات عمرك الجميلات سدى ، وألا تكحل
عينيك اشراقة النور ، اذا ما ابتسم في وجهك الحبيب ، أية قوة
يبثها فين ،ا اعتراف جاء متأخرا كثيرا ، عن الوقت الذي ينبغي
ان يأتي فيه ، فتهرعين إليه ملء السمع والبصر ، ساعية الى
تعويض ما فاتك من حلاوة الشهد ، ولتنعمي بآيات ساحرات ،مما
خلق الله لنا من نعيم ، لا ندركه منفردين ، حتى لو وهبنا كل
صفات الإدراك والاجتهاد ، عشت محرومة من كل أنواع النعيم ،
صديقتي الواهمة ، أحطت نفسك بألوان من المعيقات ، كي لا يصل
احدهم الى ذراك القاحلة ,، توهمت انه بمقدورك ،ان تخلقي لك
مملكة و تسكتيها لوحدك ، حيث لا يجرؤ أي قادر، على الاقتراب
منها ، ولكن الوهم ما يزال يتملكك ، وأنت بعيدة ، عن الجنان
الواسعة التي بإمكان رجل ان يهبها لنفسك ، كلمة واحدة قلبتك
رأسا على عقب:
-
احبك
تحترق نخيلات
التصميم ، التي غرستها في أعماقك ، أية حياة تمنحها لنا
العتمة ، والابتعاد عن الاستجابة لحنين المشاعر، وندائها
الجميل ، وكلمة واحدة كانت قادرة ،أن تغير مسارك ،الذي رأيت
انه الحقيقة ،وانه يجنبك وجع الرأس وألم الفؤاد ، أي وهم استقر
في عقلك ، ظننت انك ستكونين في منأى، عن عالم الأهواء العاصف
، وإذا بلفظة واحدة ، تسحبك من أرضك البعيدة
لماذا صدقت بهذه
الكلمة ، دون الكلمات الأخرى التي قالها لك الآخرون ؟ ، اهو
القدر ؟ إن أقدارنا تكتب لنا ، وفق مشيئة الله، صممت ان تجدي
راحتك اخيرا ، وان تقابلي ابتسامة الحياة العريضة، بما
يماثلها، وخوض التجربة الجديدة عليك ، لم تطلبي شيئا ، سوى
حرارة العاطفة ، وصدق المشاعر ، وكيف لك أن تتثبتي من صدقها ،
وأنت لم تجربي خوضها سابقا ، كلمة واحدة ، قضت على ما اتصفت
به ، من اتزان مثير للإعجاب ، وأصبحت ولهى ،تنتظر بشوق ،ان
تسمع الكلمات الحارقة ، وقد قالها مرة واحدة ، وانقطع حلمك
الجميل بالتكرار ، ولكنك لم تفقدي الأمل ،انك تسمعينها في
مستقبل حياتك، مرات متوالية ، آن أن تجدي من يروي نخلاتك
الصامدات، بما يملكه من قدرة ومهارة على الإرواء ، ويطول بك
الانتظار ، ولكن عبثا ، يبدو انه أل على نفسه ،أن ينطق كلمة
واحدة فحسب ،, وأنت تحلمين أن تخضر ربوعك ، التي أحاط بها
الذبول ، وغردت في أرجائها الغربان ، تأملين ان تكون أيامك،
كما يعيشها هذا البلبلان ، يغردان همسا بينهما ، ويبث كل منهما
الآخر همومه ، وأوجاع قلبه ، وأنت تنظرين إليهما فرحة ، واثقة
أن أيامك القادمة، ستكون أجمل بكثير ،من أيام البلبلين
الرائعين ، فأنت أكثر قدرة منهما على التعبير ،عن لواعج الحب
والهوى ، ومحبوبك ، أكثر تقديرا ، وأشد رغبة ، ان يجعل أيامك
الجديبة ، حقولا باسمة ، تتفتح فيها الزهور ، وتنتعش الأشجار
، وتغرد الطيور ، مستقبلة أيام الحب ، تترقب الأنثى ما يجيء
به الذكر إليها ، وهي على ما يشغل الفؤاد، ويبهج الفلب ،
أصحيح أنت هكذا، تتمنين أن تعيشي كما الطيور العاجزة ؟ وأنت
كما يصفونك مخلوقة تتمتع بقوة الإرادة ، والقدرة على تحويل
الأحلام الى واقع حي ، كم أغدقوا عليك من صفات حسان ، بأنك
قوية، ولا تستطيع الكلمات ،ان تنال من عزيمتك ، وأنت تمضين في
حياتك ،غير آبهة بما تثيره الكلمات، من ردود أفعال ، عاجزة عن
التأثير في النفوس القوية، التي حباها الله الإصرار على حفر
الطريق ، وغرس ما تطمح اليه النفس من بذور ، فإذا ا بك نبتة
هزيلة ، تقصمها الرياح ، وتبدد قوتها الأعاصير......
الفصل الحادي عشر
اخبروني أنها صادقة
، جادة وليس فيها أي رغبة ،في ضياع الوقت الثمين في اللهو ،
الذي كثيرا ما نلجأ إليه- نحن الشباب- لتمضية الوقت ، وإشغال
النفس باللذيذ من القول ، والذي يتناساه المرء حين يولي شطر
منزله ، ولكن هذه الفتاة من كثرة ما لحقها من ذبول ، سرعان ما
تفتحت زهور قلبها ،حين سمعت كلمة واحدة ، انطق بها لساني في
لحظة صفاء ، ما الذي جعلني اردد تلك الكلمة ؟ وما الذي حدا بي
إلى عدم فهم النفوس البشرية ، حيث خلقها الله نسخا مختلفة ،
متناقضة فيما بينها ، وكيف تهيأ لي ان هذه الفتاة، يمكن ان
تكون مثل الفتيات اللاتي أعرفهن ، ، تسمع آلاف الكلمات ، وتحيا
مواقف الجد بملء قلبها ، وتمضي ناسية إياها وكأنها لم تسمع بها
، كيف يمكنني أن اعلم ان فتاتي، لم تعش تجربة مماثلة ، وانه
علي ان اروي شتلات المحبة المطالبة باستمرار، بان أتعهدها
بالرعاية ، لم يخبرني احد ،إنني ما كان علي ان أتفوه بكلمة ،
لا اعنيها ، دموع سعادة غطت الوجنات الوردية، وعلامات بالحياء
، لم اعهد مثيلها، على كثرة ما صادفت وعشت.
نصحوني أنني ينبغي
أن انتهز الفرصة، التي أتاحتها لي الحياة ، وان الفرص لا تتكرر
أبدا ، وان فتاتي لا مثيل لها ، وان سعادتي ستكون بقربها ،
وأنني ما إن اطلب أمرا حتى تسارع الى تلبيته ، وكأنها خاتم
سليمان.لم اكن املك شيئا ، إلا كأس اكرر منادمتها كل مساء ،
ومجموعة من الصديقات ،اللاتي لا احد يثق بكلامهن الكبير ،
ومجموعة من الأصدقاء الذكور ، اعلم ان من يحبني بينهم عدد
ضئيل.
كيف أسارع إلى تنفيذ
نصيحة العارفين ،بحقيقة الأمور ، وأنا لا أملك شيئا ، ماذا
أقدم لها ؟، وهي تستعد لإيقاد شمعة ،في سماء حياتنا، غير قابلة
على الانطفاء ، ومع من ؟ أنا ؟ المخلوق الذي لا يؤمن بشيء
حقيقي ، ويقابل كل أمر بضحكة مجلجلة ، تثير ضحكات الآخرين،
وتجلب منهم القهقهات ، حدثتها برغبتي المعلنة، بالعيش المشترك
، وكنت أرجو أن تسألني عما املك ،كما تفعل الفتيات عادة، في
مثل هذا الأمور ، رحبت بعرضي ، مما ثبت لي حقا، إنها تريد
إرواء تلك النبتة الظامئة ،التي أيقظتها كلماتي من سباتها
الطويل.
رددت أمام المعارف
كلمات ، لا أعنيها عن المساواة بيننا ، وانه لا فرق ان قام
بالتجهيز للحياة القادمة، احد الشخصين أم كلاهما ، ما دام
الاثنان حريصين على الحياة المشتركة ، وسوف يقومان بإسعاد
الآخر
تمنيت إنها ترفض ،
وأنني أنقذ نفسي من مستقبل مجهول ، سوف أبادر إلى وثاق نفسي
برباطه المتين ، أجدها باشة مرحبة ، يتمنى جميعهم الرغد لنا في
أيامنا القادمات ، ولكن أنا ؟ من يعرف من أكون ؟، أنا المنطفئ
الأزلي ، ماذا يمكنني ان افعل؟ وقد أحاطت بي الحجب المختلفة،
ومنعت عني الوصول إلى قرار صائب ، هل احزن وأنا جاهل حقيقة ما
أقدم عليه ، أم افرح لآني أجد طرق الدنيا المسدودة ،وقد فتحت
أبوابها المشرعة، ترحب بقدومي ، ولم تقتلني الحيرة ؟ لأدع كل
أمر ، وانتظر ما تخبئه لي الأيام ؟...............
الفصل الثاني عشر
مضيت راضية عن عملي
، إذ وفقت بجمع اعز صديقين لي ، سميرة لم تكن تملك حبيبا ،على
ما تمنحه تلك العلاقة من معطيات ، رغم كثرة الأصدقاء في حياتها
، كانت تعاملهم كأخوة أعزاء ، وتعتز بوجودهم معها ، يمنحونها
حرارة الدفء ، في المواقف ، التي تحتاج إلى التشجيع، والتعاون
وإبداء آراء التفهم ، واحمد كنت أجده خالي القلب ، رغم ما يشاع
عن ارتباطه ، بعلاقات كثيرة مع شخصيات نسائية كثيرة ، أثارت
العديد من الأسئلة ، وجدته نعم الأخ والصديق ، لم اكلمه عن
شؤوني الخاصة ، وعن علاقاتي الفاشلة ، لم يكن قريبا مني لهذه
الدرجة ، بل كنت أحدثه كثيرا عن سميرة ، وعن حزني لفراقها ،
واصفها له بأعظم الصفات ، لم أبالغ في إضفاء الصفات الحسان
،على صديقتي العزيزة ، كنت أجدها تتمتع بالعديد من المزايا ،
لهذا مضيت في تصميمي على الجمع بينهما ، و السعي لإنجاح جهودي
، وجدت تشجيعا من الأصدقاء ، الذين يعرفون الشخصيتين العزيزتين
، حثوني على مواصلة سعيي ، لجمع رجل وامرأة برباط متين ، فهما
يملكان من المؤهلات، ما يجعل علاقتها ناجحة ، وحياتهما سعيدة ،
كنت مبتهجة ، حين أجده دائم السؤال ،عن سميرة ومن تكون؟ ،
ولماذا أكن لها ذلك التقدير الفريد ، وماذا تمثل لي ؟ وانا
المعروفة بكثرة الصداقات ، وتعدد الاهتمامات ، ولم استطع أن
اخبرها عن احمد ومن يكون ؟ وانه الرجل الجميل الذي اعتبره أخا
لي ، واجده مناسبا لها ، وسوف تعيش معه اسعد الأيام ، وتقضي
اهنأ الأوقات وأجملها ، ورغم أن الكثير من الأصدقاء استفسر عن
سميرة ، الا إني لم ابلغها استفساراتهم ، في الرسائل العديدة
لتي كنت ابعثها لها ، اقتصرت على الحديث عن نفسي ، وعن كيفية
قضاء الوقت الطويل ، حدثت نفسي إنني سأؤجل الحديث عن
احمد،ورغبته في التعرف إليها ،حين أتمكن من رؤيتها
وكأني رسمت معالم
الطريق ، وصممت على السير فيها حتى النهاية المرجوة ،والحصول
على الجني المأمول ، من غرسي الناجح...........
الفصل الثالث عشر
كنت تريدين أن
تنطلقي ، مع من اختاره الفؤاد، رفيقا في حياتك ، لم تسألي عن
شيء معين ، يكفي انه يسمعك كلاما رقيقا، يدل على شدة الهيام،
ولوعة القلب المتيم، والعواطف المشبوبة ، كي تجدي راحتك
المسلوبة ، وتصلي الى اطمئنانك المفقود ، عندك كل شيء ، يمكن
ان يجعل المرء سعيدا ، ولكن أعماقك حزينة بائسة ، لا أنيس،
يخفف عنها وحشة الليالي الطويلة ، ولا رفيق يضمك إلى صدره
بحنان ، حين يجد دمعاتك الحزينة، تنسكب منهمرة على صدرك
المتعطش ، ما شأنك بما يتطلبه الموقف، من أمور لا تؤمنين بها
، أسرتك لم تطلب شيئا ، وتركت لك الحرية كاملة ، لتقرري نوع
حياتك القادمة ، ولترسمي مع الشريك المختار، ما تودين أن تكون
عليه أيامك وتسير على نهجه لياليك ، لك منزل بسيط، وسيارة تقوم
بغرض التوصيل ليست فارهة ، وحساب لا بأس به في المصرف ، وقد
جاء لك الحظ باسما مغردا ، قادرا على منحك لحظات، لا تنقطع من
الهناء المتواصل ، فهل تطمعين بالمزيد ؟ الم يقولوا أن الكوخ
مع الحب، أفضل من القصر المنيف، مع الخلو منه ، توكلي على
الله ، وسيري مع أحلامك ، لقد ابتسمت لك الحياة ، وتفتحت
أزاهير قلبك وأينعت ، وحان لك أيضا ان تتعلمي المهارة ،في
أفانين القول ،التي لا تحسنينها ، فهي مثل البهارات، التي تمنح
الطعام لذته ، فيقبل الناس على تناوله برغبة ، وكذلك القول
الفني الجميل ، يعطي حياتنا طعما لذيذا ، قادرا على جعل أيامنا
باسمة ،وليالينا ناطقة
يهنئك الجميع على
حسن اختيارك ، يعمل لك أبوك حفلة كبيرة، يدعو لها المعارف
والأصدقاء ، ويقوم بما يتطلبه الأمر من تكاليف ، ألست ابنته
المحبة ؟، وقد قام برعايتك على أحسن ما تكون الرعاية والاهتمام
، واليوم سعدك ، سيقوم بما يجعلك هانئة، مع من اختاره لك القلب
، وهام به الفؤاد ، افرحي للدنيا، فقد أرتك وجهها الجميل
الباسم ، واقبلي على تذوق أيامك اللذيذة، بما تملكين من حرارة
، فكل شيء الى أفول ، وأنعشي لياليك في عشك الجميل، بما
حلمت به في أوقات صقيعك الطويل ، كوني متألقة، وأنت تجتازين
ليلتك الأولى ، سيطعمك الشهد على يديه الحانيتين ، وتولي الى
غير رجعة أيامك الغابرة ، حيث لا رفيق بقربك، ينسيك وعورة
الطريق ، ولا مخلوق لطيف ، بجانبك يعرف قدرك ، ويجعلك تري، من
الحياة ألوانها المشتهاة ، تدلكين جسدك الرقيق بما تعارف عليه
العالمون ، تذهبين الى امهر مصففي الشعر ، ترتدين أجمل ما عندك
من ملابس ، قمت بابتياعها من أجود الأنواع ، وتجلسين في منزلك
،تحلمين ان تكون ليلتك كما تشتهين ، رائقة ساحرة، بين أحضان
رجل يحسن عذب الكلام ، يحضر المدعوون الى حفلتك البهيجة ،
دعاهم أبوك الحبيب ، رغبة منه في إسعادك ، يأتيك رجلك الموعود
، متأنقا يرتدي بدلته ، بغير شكله المعهود ، تصحبه فتيات لا
تعرفين منهن واحدة ، بدعوى إنهن صديقات، راغبات في التهنئة ،
وانك عزيزة عليهن جميعا ، كما هو أثير في قلوبهن ، ولأنك
واثقة من نفسك ، ترحبين بمقدمهن ، السن ضيفات عزيزات في يومك
الوحيد ؟، تتوالى الهمسات متعجبة من تصرفك ، ولكنك ساهية ، لم
تبددين فرحتك الكبيرة؟ ، وتئدين رغبتك، في الاحتفال بليلتك
الأولى؟ ، وتذوق شهدها حتى الثمالة ، تهل الفرحة على أجزاء
جسدك المعنى ، تتألق البسمة كبيرة على وجهك ، بعد ان اعتاد
التقطيب ، توزعين كلمات الترحيب على الحاضرات ، وتجلسين قرب
رجلك ، مستمعة إلى عزف الألحان، وهي تتردد في بهو منزل أبيك ،
تتراقص النساء المدعو وات على أنغام الموسيقى الجميلة ، تنظرين
بإعجاب ، عل الفرح يصاحبك ، وتغريده السرور تعاشر أيامك
الكالحات . ترقص صديقاته متمايلات، بغنج يثير الاستغراب ، في
جو منزل أبيك ، تنظرين إليهن، ورجلك المقبل يرنو اليهن ، تملؤك
الثقة بنفسك ، ألست من اختارها الفؤاد المتيم، لتكون شريكة
حياة ، فما شأنك ان أثارت إحداهن سوء التصرف في هذه الليلة
الموعودة ؟......
الفصل الرابع عشر
أين المفر ؟ ها هي
الليلة التي رغب في تأخيرها ، تأتيه رغما عنه ، كيف يمكنه
التصرف فيها ، وهو لم يعهد مثلها طيلة عمره ، كل ما فعله من
جري خلف النساء الجميلات ، كان مجرد لهو حلو، أراد أن يسبغ
على حياته معنى جميلا ، سأل أمه ، ضحكت وأخبرته ان مخاوفه
طبيعية ، سرعان ما يحسن العمل، حين يجد نفسه معها وحيدين ،
وماذا يفعل مع الحياء الذي يغلف حياته ـ ويجعلنه لا يحسن شيئا
جادا ، يتجرع قنانيه المعتادة من الخمر ، ساعيا الى إشعال
مهجته الباردة ، ولكن عبثا ، يزول مفعول الشراب وكأنه ماء ،
تتشربه مسامه ، أي مخلوق ظامئ هو ، فاشل بامتياز ، مغلق على
نفسه ينشد الخلاص ،على يدين لاهيتين لم تجرب صاحبتهما شيئا ،
يكرع راحا بشكل ، لم يفعله من قبل ، على كثرة سكره ومجونه ،
ولكن عقله كالصخرة الجلدة ، لا تشي أن تغييرا، استطاعت خمرته
ان تحدثه في نفسه المنغلقة ، هل يحدثها عن متاعبه ؟ وينشد منها
المعونة ؟ وكيف يفعل وهي أكثر جهلا منه بهذه الأمور ، ولعلها
لم تفارق عهد الطفولة بعد ، رغم ما يبديه حديثها ،من نضج لم
تبله حوادث الحياة ، وشتان بين نظرية وتطبيق ,، تنظر إليه
ساهمة ، هل يدعوها إلى كأس من شرابه الخائب المفعول ، علها
تكون البادئة في الانقضاض، واخذ لحظة المبادرة ، كيف يرضيه هذا
؟، وهو يجب أن يقوم بواجبه خير قيام ، وخصوصا هذه الليلة ،
التي ينتظره فيها الأصدقاء لتهنئته ، والأعداء ليطيلوا ضحكهم
المتواصل ،على خيبته التي لا مثيل لها في عالم البشر ، والتي
يسعى بكل إصرار الى زيادتها، وجعلها تراكمية ، أي مخلوق هو ؟
، ، يجد نفسه يائسا ، لا قدرة له، على اخذ زمام المبادرة ،
التي يقوم بها الرجال عادة، في الليالي الأولى ، و رغم
محاولاته المتكررة ، لجلب الحماسة الى نفسه المكدودة ، الا
انه يحس جسده صخرة يابسة لا قدرة فيها على الحركة ، كيف يتصرف
الرجل في مثل هذه المواقف ؟ وهل انه عديم الجدوى؟ ، فاقد
الأهلية ، وكيف ينقذ نفسه، من هذا المطب الذي أوقعها فيه ؟
يعرف عجزه ، لم يبالغ يوما في تصوير قدرة ، لا وجود لها ، جسده
خشبة يابسة ، وعضوه ميت ، قد شبع هزيمة ، ولم يشهد له حياة ،
لهذا حاول أن يرسم صورة له، متناقضة مع حقيقته ، في معاشرة
النساء ، لم يشك احدهم به لحظة ، وكثيرا ما ادعى انه يحب
الفضيلة ، ويمقت الرذيلة ولا يقربها ، مهما كانت المغريات
شديدة عليه ، صديقاته كن كثيرات ، يضحكون، ويتبادلون النكات
وينقلون القصص ، ويخرجون لمشاهدة الأفلام الجميلة ، وتروي
كل واحدة منهن قصة حياتها ، ومن تعجب به من بين أصدقائه
الكثيرين ، يساءل النفس ، كيف تنصرف جميعهن ،عن وداده ،لقد
أكثر الخروج معهن والجلوس ،ويعرف ما تخبئه الواحدة منهن، في
خزانة مغلقة من الأسرار ، لا يعلم عنها الا هو وصاحبتها ،
التي تصمم دائما،على إخباره بما يجد من أمورها ، ناشدة النصيحة
لحسن التصرف ، وكأنه اعلم بما يجب ان يقوم به الإنسان ، يتفتت
كبده من ازورار البنات الصديقات، عنه وعني حبه ، نظم في غرامهن
العديد من القصائد ، ودبج في محبتهن الكثير من الأشعار ، نالت
استحسان السامعين والسامعات ، و لم تحرك ساكنا من قلوب
الحسناوات ، ولا رغبت إحداهن ان تقف بجانبه ، مصدقة بما أعلنه
لها، من صدق الود وحرارة الحب ولوعة الهوى ، وحين يخرج معها ،
متمشين ، في الشوارع ، متفرجين على بعض الأفلام ، لا تتصرف أي
واحدة منهن، تصرف العاشقة المتيمة ، بل تكون معه أختا ، تحرص
على إخباره بكل خلجات قلبها ، التي خبأتها لها الأيام ، وكان
عند الحديث مع الأصدقاء ،عن الحب والغرام يكذب باستمرار ،
وعلى كثرة ما يردد انه يحب الفضيلة ، وسوف يقدم على الزواج ،من
فتاة لا ماض لها ، لم يرها رجل ، احترمه الجميع ، وامن بصدقه
النساء قبل الرجال ، حتى جاءت اللحظة الرهيبة ، وها انه يقف
أمام عجزه الرهيب ، وجها لوجه ، كيف يمكنه ان يخفيه عن الأعين
، يتظاهر بغير ما به ، وماذا يفعل للمخلوقة ، التي شاء سوء
طالعها ، ان ترتبط به ، هل يقول لها انه لا يحبها ، ويجعلها
تطلب الطلاق في هذه الليلة الليلاء ، هل يخبرها انه لا يمكن ان
يفعل لها شيئا ، وكيف يكون موقفها منه ، وماذا يقول الأهل
والأصدقاء، والناس أجمعون؟ ، هل يذكر لها الحقيقة؟ ويطلب منها
عدم نشرها في العالمين ، إنها نبيلة الخلق وسوف تلبي الطلب ،
ولكن هذه اللحظة اللعينة، كيف يتأتى له الخروج منها ، بأدنى
الهزائم ، وأقل الإخفاقات؟ ، كم حاول أن يؤخر المواجهة ، كان
على يقين تام ،انه لا يحسن المبادرات ، وان زمن التظاهر بغير
الحقيقة قد ولى ، وان له أن يظهر ما حاول إخفاءه ، طيلة ما مر
به من سنين ، وهي ليست قليلة ،يصرخ بها ، كي تأخذ زمام
المبادرة ، هو الصعلوك الأثيم ، تتفاجأ من صرخته ، وترتسم على
محياها الجميل علائم الدهشة ،
ولكن ماذا بمقدورها
ان تفعل له، وهو جليد أزلي قد راكمته السنون ، تجمع من خيبات
متلاحقة ، مرت في حياته منذ الصغر، وحتى لحظة العرس ، من يمكن
ان ينقذذه من هذا المطب ؟، ويحرره من قيده، الذي وضع فيه نفسه
،بمحض إرادته ، الا يوجد من ينجده من هذا المصاب ؟هل يدق
الباب الآن ، ام يرن الهاتف ، ليرسم له طريق الخلاص ، من
وهدته اللعينة ، ويميط عنه متاعبه ـ يعاود الصراخ :
-
تقدمي يا امرأة ،
الا تؤمنين بالمساواة ؟
تفغر فاها ، ولكن
الحياء الذي اتصفت به، يمنعها ان ترد عليه بمثل خشونته ، تكتفي
بالنظر إليه ، هل بدأت شعورها بالندم ؟ أم إنها كنساء بلاده
الأخريات لا تحسن الثورة ، وتظل متمسكة بمن يريها الذل
والهوان، معتبرة إياه سوء طالع ، ولكن ماذا يفعل هو في هذه
اللحظة ، ؟ يخشى من سؤال يطرح عليها ،فتجيب عنه بصراحتها
المعهودة ، فهي لم تعرف الكذب
يحاول ان يكون أكثر
رقة ، رغم ان الصفة هذه قد هجرته ، هذه اللحظة ، يصنع لها كأسا
،من شراب قليل المفعول ، لأنها لم تكن تعرف، كيف يشرب الناس ؟
حياتها آمنة ، وأسرتها سعيدة ، وهي مستجابة الرغبات كأي ابنة
صالحة
يقدم لها الكأس
-
في صحتك
يفاجئه أنها تشرع
في ارتشاف قطراته ، رغبة في إرضائه ، أي مخلوقة هذه ؟ تود
الشرب، لا لأنها تريد،بل لإرضاء آخر ، لم تجد منه طيبا ،
اللعنة على النساء جميعهن ، لا يعرفهن ، ولا يريد ان يعلم
عنهن شيئا ،
- أمي أين أنت ؟
تعالي أنقذيني من هذه الورطة، التي رضيت ان أضع نفسي فيها
ولكن ماباله حزين
، لا يعرف كيف يتصرف ؟ لماذا تختلف هذه المخلوقة عن الذين كان
يعاشرهم ، ليكن ما يريد ، وعليها طاعته
يشرع في عملية خلع
ملابسه ، تقتدي به ، يحدث نفسه بذعر :
( تعطل طاقتي ، اشعر
بالبرودة القاتلة تطوقني ، ليست هذه المخلوقة من كنت اطمح
إليها ، ولم احلم طوال عمري بإحدى النساء ، اضحك معهن وأتكلم
عن أي موضوع، يثير فيهن الإعجاب بشخصي ، واروي النكات التي
تجعل السامع يموت ضحكا وبهجة ، ولكن معاشرة النساء ؟ اللعنة
عليهن جميعا ، كيف يستطيعون ؟ لم أجد وضعا يساعدني ، كيف آتي
أمرا لا أحبه ، لتذهب هي، وأمثالها جميعا الى الشيطان ، مالي
وهذا اليوم ، أرعبتني فكرة ان أظل مع إنسان واحد، طيلة عمري ،
ولكن التفكير في هذا الأمر استغرق الكثير من الوقت ، كيف أظل
بعيدا عن الناس ، وخاصة النساء ، وانا تستهويني ضحكاتهن
الطويلة الرقراقة ، ومن يمكنه ان يعتني بي ، ويقوم بالسهر علي
أثناء حياتي القادمة ، هل أظل مع أمي ؟ وأخواتي جميعهن ، ذهبن
الى دور أزواجهن ، وبقيت أنا وحدي، أتمتع بتدليل أمي ورعايتها
، ولم استطع أن اخبرها، انني لا أجد رغبة ،في العيش مع
امرأة واحدة ،تظل بالقرب مني ، ولا يمكنني الفكاك منها ماحييت
، وحين وجدت ضالتي ،امرأة مدللة جميلة يقولون عنها غنية ،
نصحني بعض الأصدقاء ان أحبها ، او ابدي ذلك ، فهي المناسبة لي
، ويمكنها ان تنقذني من سنين الغربة ،التي عشتها ، ولم تعرف
أمي ما يلم بي ويجعل حياتي بائسة تعيسة ، والليلة حلت اللعنة
التي كنت أؤجلها ، وهذه المخلوقة التعيسة تحاول ان تقلدني ،
وتخلع ملابسها كما افعل أنا ، ليكن سوف أرغمها على الإتيان بما
أريد ، وإلا انقلبت حياتها جحيما ، أنا الرجل هنا وعليها طاعتي
، وهل أنا رجل حقا ؟ وقد كانوا يفعلون بي الأفاعيل ، ولكن من
يمكنه ان يعرف ؟ سوف أتظاهر بالعكس ، وادعي إنني الفاعل ، وان
غيري من الغلمان مفعول به ، واطلب منها أن تقوم بالدور ،
واعتقد جازما إنها لا ترضى ، وكيف يمكن لامرأة مثقفة عاملة ،ان
تقبل بما سوف أعرضه عليها ، وسوف أنقذ نفسي ، من الوضع البائس
الذي وضعته فيها ، ان يكون المرء فاعلا ، أفضل بكثير برأي
المجتمع ، من كونه يفعل به أيا لبؤسي ، وانعدام حيلتي ، لماذا
استمعت إلى نصيحتهم بالاقتران من هذه المخلوقة ، التي عملت كل
شيء، من اجل ان تتمتع بهذه اللحظة ، ولم ابدي تعاونا معها في
كل ما فعلته ، جهزت المنزل لوحدها ، واشترت الأثاث، ولم أجد
نفسي مذنبا ، في هذا الوضع ، فأهلي أناس فقراء ، وهم بحاجة
الى معونتي ، وليس بمقدوري ان أتنصل من واجبي ، وزوجتي هذه
تعرف حالتي جيدا ، ولا أظنها تمانع ، فعلي ان اقوم بواجبي
المفروض علي في هذه الليلة واجعلها تطيعني ، علي ان احدد قوتي
واثبت رجولتي ، وان ادعي أنني كنت أفضّل الغلمان أكثر ، فلا
بأس ان اتخذ من زوجتي هذه ما يحلو لي ويبهجني ، وسوف تأبى أن
تقوم بما اطلبه منها ، ولكن هل تطلب الطلاق ، وهي من احبتني ،
ولم اتقدم لخطبتها ، أرادت زواجا متقدما ، وها إنها حصلت
علي......
الفصل الخامس عشر
لا يمكن ان نجلب
الحب بالإكراه ، أرى المخلوقين العزيزين ،وقد أرهقتهما
المتاعب واستبد بهما القلق ، أعياهما العثور على الحب المنشود
، وراحت أيامهما تمضي كالحة السواد ، لا ومضات من البهجة ،تمنح
أوقاتهما الألق المبتغى ، ولا إضفائي الصفات الرائعة على
كليهما ، يفيد شيئا في اسباغ بعض الحبور ، ما عادت محاولاتي
العديدة، في إرواء النبتة ،التي غرستها في صحراء حياتهما تجدي
نفعا ، عيونهما تعبر عن فشل ذريع ، وخيبة متلاحقة ، وشعور
بالبرد أزلي لا برأ منه ، الاثنان يبتسمان للدنيا بإصرار منقطع
النظير ، ولكن محاولاتي الخائبة في الجمع بينهما، في رباط سحري
دائم ، لم تأت أكلها ، فمضت جهودي خائرة ، سميرة تمشي ، وكأنها
زادت من العمر أعواما ، واحمد يفتعل السرور، بضحكات متوالية قد
لا تعني الا اللامبالاة ، رغبت في تقديم الحبور، في طبق من ذهب
لقلبين متعبين ، لم تقدم لهما الحياة ما كانا يرومان ، ومضت
أيامهما عديمة الجدوى، خالية من الدفء المحبوب ، سألني بعض
الأذكياء ،
-
ما دمت معجبة بأحمد
لماذا لم تأخذيه لنفسك ؟
يعييني الجواب ،
انه أخي ، ومهما شعرت نحوه بالاحترام العميق ، الا إنني على
رغم صداقتي المتينة معه ، لم أتمن منه ذلك الشعور، الأخاذ
بالجمال ، حين يحملنا إحساسنا ،على بساط سحري، ينتقل بنا في
السموات والأرض ، أي قدرة على التحليق في دنيا خالية، من
المسرات والطعم اللذيذ ، هل العيب فينا ؟ لقد نشأنا على أن كل
شيء، عسير المنال بعيد التنفيذ ، حتى الشعور بالحب ، حين يأتي
فجأة، ليقرع بابنا الموصد ، نتظاهر أننا لا نسمع النداء ، أي
جيل من مساكين نحن ؟ مجبول من الانهزامات، وأمراض الروح
المتعطشة الى العاطفة الموءودة ، وجدت خيبات روحي المتلاحقة ،
لا أمل في الشفاء لها ، فعملت جهدي لتجنيب صديقتي الحبيبة ،ما
تعانيه من أسقام متضخمة ومن انطفاء كبير.
فكرت لماذا لا يسعى
صديقاي، الى قلع البذرة التي غرستها، في المكان الخطأ ،
ولكنهما مضيا ينفذان ما رسمته لهما ، وكـأنهما كانا يرجوان ان
يقتلعا كل أمل في إحياء شتلة المحبة ،من أعماقهما المتعطشة
الى الإرواء ،والتي ضلت سبيلها ، في صحراء شاسعة من الأحلام
المبددة، والأهداف التي لم تبصر النور ، فماتت قهرا واغترابا
الفصل السادس عشر
لم اقرب الخمرة
حياتي كلها ، عرفت انه بغافرها، لياليه المسهدة ، فآثرت ان
أتقن شربها ، كانت لي صديقة ، خبرتها عن أمري ، وإنباتها
يرغبني بحضور جلسة من الشراب ، وإتقان تلك المراسيم ، التي
شهدتها ، عدة مرات ،لكني لم أعشها ـ وأحàببت ان أشارك زوجي
المفترض ، ما كان يحبه ، رحبت صديقتي باقتراحي ، ومضت تهيئ ما
كنت أروم ،على مزاجها ، وفعلا ، ذهبنا أنا وهي الى إحدى
المنازل الجميلة ، الني يتمتع بها الرجال بكل شيء ، وتقوم
النساء بما يراد منهن، من أعمال ، ألسن جمعنا تابعات؟ ، نقوم
بما يقوم به الرجل عادة ، ونقلد ما يقترف من أعمال ، ولماذا
نطلق عليها هذه التسمية؟ ، أليس التجريب نواع من الأعمال، يقدم
عليه الناس بحرية مطلقة ، دعتني صديقتي الوفية ، الى حفلة شراب
، مع احد من أقاربها ، هالني انه يعرف عني كل شيء ، وانه متابع
جيد لأنبائي ، الحزينة منها والمفرحة ، وتلك التي اعتاد الناس،
ان يضعوا بقربها ألوان شتى من البهارات ، التي تسر النفس ،
وتبهج الفؤاد ، كان قريب صديقتي قد هيأ المائدة ، بما لذ وطاب
، من ألون عديدة من الطعام ، ومختلف المازات وأصناف من
المشروبات ، لم اعرف ما أسماؤها؟ قبل صباحي هذا ، اذ كانت
الدعوة في الصباح ، ليس المبكر ، ولكن في تمام الساعة العاشرة
، منه ، هيأ قريب صديقتي المائدة بألوان مختلفة من الشراب ،
كنت اعرف اسمه فقط ، لقد صممت على ان أجيد المهارات، التي
يتقنها ، من عزمت على الاقتران به ، وان كان يحسن ليالي السمر
حتى الصباح الباكر ، ويغني للعندليب المهاجر ، اغني جميلة
تدعوه الى العودة ، قبل ان يأفل العمر ، وتولي شمسه الساطعة ،
ويذهب كل شيء راحلا ، عن دنيا الناس الى غير رجعة ، هالني
الاستعداد الفخم ، الذي هيئوا به تلك الجلسة البريئة التي ،
سرقت نفسي فيها من لؤم المراقبات، التي ما انفكت ، تحيطني
بسوارها المتين ، ألوان من الشراب ، قد هيأها قريب صديقتي ،
الذي لم أتعرف إليه قبل هذه الجلسة ،وجدته كثير المعرفة عن
شؤوني ، خيل إلي ان الجلسة، قد رتبت من اجلي أنا ، تابع قريب
صديقتي أمورا عديدة ، حدثت في عهد مضى ، وكنت اطمح ان يمضي دون
الوقت،دون أن أتلقى كثير ا من الاستفسارات ، التي لا اعرف
كيف أجيب عنها ، بما يرضي جميع الأطراف ، شربنا الكأس الأول في
صحتنا ، وصحة لقائنا الذي جرى ، من غير تصميم ، وشربت أنا لأول
مرة ، فوجئت إنني رأيت صديقتي ، منهوكة القوى ، مزعزعة اليقين
، تبكي وتسيل منها الدموع ، انهارا عظيمة التأثير ، نقلها
قريبها الى مكان اخر ، وعاد ليستأنف جلسته معي ، منبئا إياي
انه يعرف كل شيء عني ، أيقنت أن هذه الأساليب ليست قادرة على
إبعاد صفة الاتزان عني ، فحاولت ان أتحدث معه ، لأريه ان ليس
كل ما يقوله الآخرون حقيقة لا جدال فيها ’ خرجت من الغرفة ،
التي وضع عليها قناني الشراب المختلفة ، وأنواعا من المازة ،
يسيل لها اللعاب ، وجدت في الحديقة مجموعة من النساء ، أخذت
اسلم عليهن الواحدة تلو الأخرى ، وأنا شبة منبهرة ، بما أضافه
لي المكان من مشاعر ، ليس لي عهد بها ، رأيت زوجة المضيف
،رقيقة رائعة الجمال ، وعجبت إنها لم تجلس معنا ، وكانت خارج
اللعبة ، التي وجدت زوجها يلعبها ، طوال الوقت ، صافحت النساء
العديدات ، في الحديقة معربة عن إعجابي الشديد ، بهن ، لم آلف
هذه التجمعات ، وبقيت طوال عمري ، لا أجيد ، لا الأقوال
الجاهزة ، وترديد الرؤى ووجهات النظر ، التي سبقني الآخرون
إليها ، أقدمت على هذه الجلسة حين عرفت ، ان الشخص الذي سوف
يصبح شريكي في الحياة ، لا هم له الا معاقرة الخمرة ، والإتيان
بما لا يتوافق مع العقائد، التي استقرت في داخلي وكأنها
قوانين ، لابد من إتباعها ، تذكرت تلك الجلسة ، حين رايته
وقد هيا الأقداح والقناني ، فكرت أنني يجب ان أشاركه الفرحة
هذه الليلة فقط ، لتكون كما حلمت بها حارة زاهية ، ولان تلك
الجلسة الاولى ، قد مضى عليها زمن طويل أنستني اصول الشرب ،
التي تعارف عليها محبو تناول الخمور ، فقد أصبحت سكرى منذ
القطرات الأولى ، وجدت نفسي هائمة على وجهي ، لا أعرف ماذا
يراد مني بالضبط ، كنت اسمع النساء يتحدثن عن أزواجهن بذلك
الحب الكبير ، والرغبة تتقد في عيونهن الجميلة ، لكني لم أر
رغبة في عينيه ، أقنعت نفسي انه ربما لا يعبر، عن خلجاته
بسهولة ، توقعت انه يبدأ في مغازلتي أولا ، كي يطلق العنان
لعاطفته الجياشة، معلنة عن نفسها بحرية ، اخذ يكرع الكؤوس
واحدا بعد الآخر ، ولا أجد تغييرا في تصرفه ، وكأنه لا يراني
امرأة ، في كامل زينتها في أول ليلة لها ، صرخ بي بقسوة، طالبا
ان اعلمه مبادئ الليلة الأولى ، وحين أجبته : إنني لا أعرف ،
لأنني لم أشاهد شيئا ،مثل هذا في حياتي ، وان جميع قصص
الأحبة والأقرباء والأصدقاء التي سمعتها ، لم يطلب من الفتيات
ان يقمن بالجولة الأولى ، كما ان الكتب التي قرأتها ، لم يقم
الرجال فيها بالطلب، من نسائهم ان يتبادلن الأدوار معهم ،
ويمكن ان يحدث هذا التبديل في الأيام القادمة ، أما الليلة
الأولى ، فمن المستحيل جدا، ان يحدث الذي حدث معي ، كنت اعرف
انه ميال الى الفكاهة ، ولكن ان تكون فكاهته سمجة ، قليلة
الحياة ، عدية الأدب ، فاقدة للعقل، ومنذ الوهلة الأولى ، فلم
يخطر بعقلي أبدا ، بقيت ساكنة انظر إلى ما يقوم به من تصرفات
غريبة ، لم أكن أظن يوما ،ان مخلوق عاقل ، يمكن ان يقوم بها ،
وإلا ما وقعت في حبه عند قوله كلمة
-
احبك
شعرت إنني غريبة ،
ولست في المكان اللائق بي، كامرأة تنتقل من حياة الى أخرى
مناقضة ، وكنت أتمنى ان اخرج من هذا المطب ، بسرعة ولكن كيف؟
وما الذي بمقدوري ان افعل ؟ ؟ وماذا أقول للناس ؟ لا أريد
الإساءة لأحد أبدا ، وليس في استطاعتي ، ان اجلب الفضيحة
لمخلوق ، وخاصة لمن كنت أتوهم، أني أحبه ، الغريب ان مشاعري
المتوهجة نحوه ، قد غابت عني تلك اللحظات ، وكأنها قد تبخرت ،
أحسست بمشاعر متناقضة من الشفقة ، وصعب علي هذا المخلوق ، ولم
أفكر في نفسي ، وعرفت إنني سوف أظل هكذا ، وكما كنت في منزل
أبي ، وانه علي ألا اخبر امرءاا بما يجري ، وان التغيير الواجب
ليس من أحلامي.
كنت أفكر بوضعي ،
حين شرع يخلع ملابسه ، فكرت انه ربما اجتهد كي يقوم بدوره خير
قيام ، فقمت مقلدة إياه ، ولكنه قال لي وبوقاحة لم أكن أتوقع
انه قادر عليها
-
انظري يا ابنة الناس
، واسمعي جيدا ، لا أحب النساء أبدا ، واجدهن مخلوقات تافهات
، يجرين خلف الكلمات البراقة ، متناسيات الحقيقة ، أحب الغلمان
، ويمكن ان تلعبي معي دور غلام جميل.
ارتعب من الفكرة ،
، أيمزح في هذه الليلة ، ما باله ، ماذا أصابه ، وكأنه مخلوق
آخر ، يكرر طلبه مؤكدا:
أريدك غلاما جميلا
يا امرأة ، أنت رقيقة كالغلمان.
انظر إليه مستطلعة ،
أجده جادا ، لم اعد قادرة على معرفة ما يريد مني،
واصرخ به طالبة
الابتعاد
يصرخ ضاحكا ، وقد
أعجبه هلعي، واستشاط بهجة، لإثارة أعصابي ، واخذ يقفز من مكان
آخر ، محاولا ان يديم ضحكه ، ومواصلا فرحه وشعوره
بالانتصارعلى:
-
ماذا تظنين ؟
تعييني الكلمات ،
ولا أجد ما يمكن ان يعبر عن شدة هلعي ، ومدى حزني في هذه
الليلة الليلاء ، حيث لا بدر يخفف وعورة الظلام ، ولا قمر
ينسيك ضوؤه ،ما عانيت طول اليوم من تعب
وكأني في مفترق ،
لا اعرف الوجهة ، التي علي اتخاذها ، والطرق كثيرة من حولي
وأنا تائهة ، لم يتحدد طريقي الصائب بعد ، أيمكن ان يكون مازحا
في هذه الليلة ، التي ابتعد عني فيها الخلان ، ورحل الأصحاب
وودعني الأقارب ، متمنين لي السعادة والهناء ، هل يمكن ان يكون
جادا ، فيما عرضه من أمر ؟ وأنا لم أجرب احد الأمرين ، ومضت
حياتي يبابا قاحلة ، ؟ هل اهرب من المنزل ، كما تفعل النساء
الغاضبات، في مثل هذا الموقف ؟ وأنا لم اشهد موقفا محددا ،
وكيف اهرب و هذا المنزل لي ، ابتعته بعرق عملي وجهاد فكري ؟
كيف اهرب من أول معركة ، وجدتها في طريقي ؟ وهذا الذي كنت أظن
أنني وقعت في غرامه ؟ ماذا يمكن ان افعل معه ؟ وكيف أتصرف ؟
وأنا أراه مخلوقا ، لا يحسن شيئا الا الصراخ ، قد أخذت لهذه
الليلة استعدادها ، وارتديت أجمل ما عندي ، وتعطرت وتزينت ،
وهنأني الأصحاب والمعارف ، متوقعين لي حياة تسر الألباب ،
وكيف يمكنهم ان يعرفوا إنني ،كتبت على نفسي الترمل ، في بداية
حياتي ، وان من حلمت أن يسقيني الشهد ، في أول أيامي ، جرعني
مرارة العلقم ، اسودت الدنيا أمامي ، وأظلمت ليالي ، وأصبحت
احلم بالفرار ، من هذا الموقف العصيب ، كل أيامي ذهبت سدى ،
وكتب علي ان أتذوق الحنظل ، والناس ينظرون لي مهنئين ، وكأني
أحيا في جنان الفردوس ، لقد طال صومي ، وحين رغبت بالإفطار ،
اخترت البصلة ، بكامل إرادتي ، يا شماتة الأعداء بي ، أحب أبي
أن ينصحني ، وحين لاحظ عزيمتي ،على الاقتران بهذا الشخص ، تمنى
لي السعادة ورحل مودعا ، انظر الى من قرر وأد هنائي ،
وإذاقتي المر حتى ثمالته ، اراه يضحك متصنعا السعادة ،
ويسمعني كلماته التي تتساقط علي كأفواه الجحيم ، الشياطين تعزف
أنشودة البغض ، في ليلتي الأولى ، وأنا أتلوى ، وكأن مردة
استولت على إرادتي ، فسلبتني قوة الاحتمال ، والقدرة على
الوضوح ، و أخذت ارسم ابتسامة البلهاء على وجهي ، راغبة ان
اغرس شتلات السعادة ، في ارض لم تعتد عليها ، وان امثل في مسرح
اللامعقول، وهو قد تفوه بكلمات لم اسمع بمثلها ، وأرعد وأزبد
، وحين وجدني مخلوقة صماء ، تركني ملتاعة ، واتصل بصديقته
المقربة ، ينبئها ما ألم بي ، وما استطاع ان يوقعه في من هزائم
كالحة.
استمع الى ضحكاته
المتواصلة ، وأدرك انه مصر تماما ،على الإيقاع بي ، وجعلي
أضحوكة ، يتسامر بها الناس ، فأنادي قوتي الغائبة ، ومقدرتي
الآفلة ان ترأفا بي، وتحنا على ضعفي ، وتأخذاني الى جادة
الصواب، بعد ان أدركت ان التعب أعياني، والشعور بالهزيمة بدد
قوتي
|