|
مع
سبق الإصرار والترصد
القاعة مزدحمة ،
الملل من الانتظار والترقب يعلو الوجوه ، العيون متلهفة ،
متشوقة ، والناس جالسون في أماكنهم ، يتحدثون بهمس ، نادى
الحاجب :
-
محكمة
وقف الحاضرون ،
وأنا الانسانة الخجولة التي لم تعتد الكلام أمام شخصين
صرت أتلعثم ،كيف لي
أن أحسن الدفاع عن قضيتي في هذا المكان ؟ وأمام الخضم الهائل
من البشر ؟ كيف يتأتى لي إقناعهم بحججي وان ابرهن على صواب
أدلتي
وحولي خصوم عنيد ون
يشهد لهم بطول الباع بمثل هذه القضايا ؟
أيها القاضي ....
أيها السيدات والسادة ، يامن جربتم الغربة ، وذقتم مرارة
الوحدة وسهرتم ليالي طوال ، تتساءلون عن مستقبلكم في هذه
الحياة ، حيث لا أليف يقف بجانبكم يشد أزركم ولا حبيب يضمك إلى
صدره ، فيجلب لكم الدفء
كنت سعيدة يسكنني
السرور ، ويكحل عيني الحبور ، وكان يملأ علي حياتي رضا وسلاما
، أستيقظ في الصباح مسرورة على صوته الجميل ، حيث يوقظني بأعزب
الألحان ، ما إن يراني أدخل غرفته حتى يتهلل فرحا ، ويرحب
بقدومي ، وجسمه كله ينطق بالسعادة ، كنت أعتني بطعامه وشرابه ،
أسعى إلى أرقى الأسواق ، كي أبتاع ما يلذ له وما يطيب من
أنواع الطعام ، وأسرع إلى الطبيب ، حين تلم به أولى علامات
الوعكات ، اهرع إلى أقرب الصيدليات ، وأنفذ تعليمات الطبيب بكل
عناية واهتمام ، كم شاركني سهري في ليالي الشتاء الطويلة ، وكم
منحني معنى جديدا لحياتي المجدبة ، أجده وحيدا ، فابحث له عن
أنثى تشاركه الحياة ، وتجلب الدفء لحياتنا الباردة ، فكانت
دنانير الرقيقة الرفيقة لدربه ، يتناجيان معا ، ويبثان بعضهما
لواعج القلوب ، ولكن .... لايمكن للفرحة أن تستمر ، ولا
للسرور إلا أن يتحول شقاء ، ومن هنا بدأت نكبتي ، إني أيها
الرئيس
وأيها الحاضرون
الكرام قد جني على حياتي ، وقضي على مبعث سعادتي ، ووئدت فرحتي
، ما إن حدثت جاري بأمر رفيقي حتى اقترح أن يشاركني فرحتي ،
وان يقدم الطعام لصديقي ، فوافقت بعد إلحاح ، فانا طيبة أيها
الرئيس لااستاثر بالفرحة ،لكن الجاني لم يبال بما يسبب لي من
الآلام ..... لهذا أرجو من سيادتكم ان تعاقبوه على عمله الشنيع
، وعلى اقترافه إثما ، مع سبق الإصرار والترصد ، كي يكون عبرة
لغيره
القاضي : ماذا تقول
أيها المتهم ؟ أبريء أنت أم مذنب ؟
-
أنا بريء يا حضرة
القاضي ، أنا بريء ياحضرات المستمعين ، كانت هذه السيدة تحدثني
عن ضيفها ، وهي مسرورة بجماله يملؤها الفرح بصوته الفريد
وغنائه الشجي ، كانت تجلس الساعات الطوال ، تراقب حركاته ،
وتستمع إلى طربه ، كانت تجده صديقا حانيا ، يملأ حياتها بهجة ،
وأنا مثلها أيها القاضي أرنو إلى الجمال ،استعذب الاصوات
الجميلة ، وتطربني حلاوة الألحان ، كنت اجلس والسيدة تراقب
الضيف الحالم الحنون ، وزوجته الناعمة ، وهما يتحركان برشاقة
ليس لها مثيل ، في السكن الصغير الذي منحتهما إياه جارتي ، أنا
أيضا وجدت سعادتي في تلك الصحبة الجميلة ، عرضت عليها يوما أن
أساعدها في تقديم الطعام للضيفين الحبيبين ، فوافقت ،فحدث يوما
أن سهوت وأنا إنسان ، فنسيت الباب مفتوحا فهرب الضيفان ولم
يعودا
-
القاضي : هرب
الضيفان ؟
-
الداعية : نعم سيدي القاضي ، كان ضيفاي
بلبلين جميلين صداحين ،عندما فتح لهما الباب طارا معا وتركاني
وحدي ، انتظر عودتهما , فلا شك أنهما قد فقدا معالم الطريق. |