|
المساواة خرافة
كل الحركات الثورية ، في العالم ، جميع
الثورات التي جاءت ، لتصحيح الأوضاع الخاطئة ، وإعادة الأمور
الى نصابها ، والحق الى أهله ، ترفع هذه الحركات شعارات براقة
، في إنصاف الطبقات المظلومة ، ومنحها الحقوق التي حرمت منها ،
على مر العصور.
الدين الإسلامي ،
كبقية الأديان الكبرى ، رفع شعارات كبيرة ، عن الحرية والعدالة
والمساواة بين كل الناس ، لافرق بين غنيهم وفقير هم ، وأسودهم
وأبيضهم الا بالعمل الصالح ، الذي يقوم به العاملون ، لخدمة
البشرية ، والعمل على تطورها ، في شتى الميادين ، الاجتماعية
والسياسية والثقافية ، وعند قراءة فصول التاريخ ، يتبين لنا ان
الطبقات الفقيرة والمسحوقين من الناس ، ومن أولئك الذين
يتميزون بالطيبة المفرطة ، فلا يمكنهم تحقيق شيء من طموحاتهم ،
والوصول الى ما كانوا يأملون به لأنهم يتميزون بالمثالية التي
تفضل الآخرين على النفس ، ولا تكتفي بما تحققه من مكاسب شخصية
، بل تطلب ان تتمتع الفئات الأخرى بما تمتعت به ، وان لنا ان
نتحقق من جدوى الإيثار ، فهو لم يعد يجدي أحدا ، ونتذكر
الصحابي الثوري أبا ذر الغفاري ، الذي ضحى كثيرا ، في سبيل
نصرة الإسلام ، فكوفيء و في العهد الراشدي ان يعيش منفيا مشردا
محروما من أبسط الحقوق الانسانية ، لنقرأ سير المناضلين
المكافحين الذين تعرضوا لصنوف من التنكيل ثم لم يمنحون اقل
تقدير وحتى من اولئك الذين ضحوا من اجلهم
لقد رفع الإسلام
بوصفه دينا أخلاقيا جاء لإنصاف المظلومين ، ومنحهم الحقوق التي
حرموا منها ، شعارات جميلة ، في تحقيق مباديء العدل والمساواة
، وقد امن به اول المؤمنين ، أولئك المستضعفون في الارض ،
وبذلوا أرواحهم دفاعا عن إيمانهم ذاك ، عذبتهم قريش ، بتلك
القسوة البالغة ، رغبة في رجوعهم عن مبادئهم التحررية التي دعا
اليها الإسلام في مراحله الأولى ، ويذكر لنا تاريخ المسلمين
مواقف مشرفة لرجال عظام ونساء أمنوا بإمكانية تحقيق تلك
المباديء الجميلة ، والشعارات الذهبية الى وقائع ، كانت أول
شهيدة في الإسلام امرأة آمنت بتحقيق المساواة وهي الفقيرة
المعدمة ، في دنيا الناس ، وربما قبل ذهابها الى العالم الاخر.
ولكن ما ان ينتصر
الإسلام ، ويحقق بعض التفوق على أعدائه ، حتى نجد ان المظلومين
والمسحوقين والفئات العريضة الواسعة ، تعود الى الصفوف الخلفية
، وكأنها لم تضحي ، وتناضل ، ولم يسفك دمها النقي من أجل
الوصول الى طموحاتها الشرعية ، نجد فئة أخرى تتقدم الصفوف ،
لتحرز أعلى المكاسب ، وتستطيع ان تؤسس لها في لحظة من الزمن
دولة كبيرة ، تقوم لخدمة المتنفذين والتجار ، والفئات الوصولية
، وكأن هؤلاء هم الذين ضحوا وبذلوا أرواحهم لتحقيق المستقبل
المشرق ، الذي أظن أنه لن يأتي أبدا ، لقد بقي هذا القانون
الأزلي ، معمولا به في مختلف مراحل التاريخ ، ويبقى هذا
القانون ، صادقا في أيامنا هذه ، حيث يبقى المحرومون على
حرمانهم ، ويستمر التجار والرابحون دوما ، الى جني الثمار ،
وكأن الأيام تكرر نفسها ، وكأنه لا جدوى من النضال المستميت
والمتواصل الذي يقوم به المناضلون طوال العهود ، ليأتي آخرون
لم يجربوا النضال ، ولم يضحوا ولم يجوعوا ، ليقطفوا اللقمة من
أفواه العاجنين الخابزين ، المتعرضين لحرارة المواقد ، الفلاح
يحرث الأرض ويبذر البذور ، يسقي التربة ، بتعهدها بالرعاية ،
متحملا حرارة الصيف ، وبرد الشتاء ، حتى اذا ما حل أوان الحصاد
، وبذل الفلاح جهده تلك المرحلة ، قدم المستريحون ، واستطاعوا
ان يحصلوا على الثمار ، متلألئة ، بالغة الجمال ، فاين الحق
والعدل والمساواة ؟ وليس الاسلام الوحيد الذي رفع تلك الشعارات
الجميلة ، وانما المباديء الأخرى التي تأتي لتحقيق إنسانية
الإنسان والوصول به الى تحقيق الأماني ، واذا تلك المباديء
الجميلة التي يموت من اجلها الثوار ، تصبح بعد فترة أضغاث
أحلام. |