المجاز و الواقع في مجموعة القاصة صبيحة شبر

      "امرأة سيئة السمعة"

 

 

              تزاوج المجموعة القصصية " امرأة سيئة السمعة" للكاتبة العراقية "صبيحة شير" بين القلق الخاص و العام. و مرد ذلك أن الكاتبة عانت من الاغتراب القسري, حيث غادرت وطنها العراق فرارا من النظام السياسي البائد في مرحلة السبعينات باتجاه الكويت, لتستقر منذ سنة 1986 بالمغرب.

 

     و قصص المجموعةتوزعت بين; الذاتي فيما يخص مستوييه العاطفي و الإنساني, حيث لامست في بعض النصوص جرح الأنثى الغائر من تجاهل الزوج لعواطفها و انتظارها اللامشروط له كما هو الحال في النص المعنون "إليك عني يا همومي". لكن نظرا لطبيعة الكاتبة غير الاستسلامية و التي تأبى الانجراف وراء الانهزام فإنها تبعث الأمل في شخصياتها لينبعثوا من جديد بعد موت رمزي حيث تأخذ الكاتبة موقع الرقيب الذي يمارس دور المنبه بشتى الوسائل و إن كان عن طريق الاستفزاز حيث تكررت في النص مرارا عبارة " من تنتظرين أيتها البلهاء" لتنجح أخيرا في جعل بطل القصة, التي لم تمنحها أي اسم بل اكتفت بمخاطبتها صديقتي( تبدأ من جديد ), و عدم إعطاء الشخصية اسم قد يحيلنا على تفسيرات متعددة, فالشخصية هي أي امرأة محل انتظار لشيء قد يأتي أو لا يأتي. و يمكن أيضا أن تكون الكاتبة نفسها التي تخاطب آخرها و تواجهه ليصحو من غيبوبته. و هو نفس المعنى الذي تود تمريره في نص "الوشاية" مع اختلاف واحد هو أن البطلة تحمل اسما "هدى" إن تتلقى اتصالا هاتفيا و الذي يتراءى في آخر النص أنه مجازي فقط, بل هو صدى داخلي انقض ليهمس لهدى ليعلمها بأن زوجها يحيى مع أخرى, و أنها هي فقط وسيلة للإنجاب و ضلت هذه الأخرى غامضة في النص إلا في إشارة واحدة حيث تقول : "........  في غرفة نومك مكتب صغير و سرير مزدوج, أمام السرير صورة مرسومة لامرأة جميلة تبتسم بسخرية لاذعة, فهل تعرفين من تكون تلك المرأة؟ إنها أنا أيتها المصون. زوجك يحيا معي يراني كل ليلة........" إذا ربما تكون هدى هي صاحبة الصورة التي يريد زوجها العيش و إياها. امرأة لم تثقلها المسؤوليات الأسرية و المهنية....

 

و يصل أمل الانتظار ذروته في نص " حفلة عيد الميلاد" حيث هيأت لحبيبها طقوس الاحتفال بعيد ميلادهما الذي ارتأيا أن يحتفلا به في الحادي و الثلاثين من آذار بما أن الفرق بين عيد ميلاديهما فقط  يوم واحد. و قد اعتادت انتظار زيارته مرة كل سنة في ذلك اليوم. لكن كل المؤشرات تقول أنه سيخلف الموعد. و ذلك اعتمادا على إيحاءات وظفت بالنص تبرز طول لحظات الانتظار, فمثلا "تخبو شموعي و تنطفئ و أستبدلها بأخرى جديدة.." و أيضا " عطري قد تبدد فأسارع لتجديده." فرغم أن أمل اللقاء كان منعدما لكن بطلة القصة لم ترد أن تتحمل ثقل مسؤولية التخلي و نكث الميثاق المعنوي الذي يربطها بحبيبها. لكن الطرح الذي قدمه لها جارها القاضي و الذي يبدو أنها اقتنعت به و مفاده أنه سيعمل بقانون جديد ينص على انه سيتم استئصال القلب الذي يهجره العشق ليمنح لآخر يسكنه و بذلك تهمس لحبيبها الغائب في نهاية القصة. ما رأيك حبيبي؟

 

      في حين جاءت النصوص الأخرى ك " مجلس العزاء" و "امرأة سيئة السمعة" و "المهجرة" تجسيدا لحالات الاضطهاد من النظام البائد و كذا الاغتراب و ما يصاحب ذلك من أحاسيس بالقهر و البرد, الظلم و أيضا من الابتعاد عن الوطن و الأهل. و هذا طبعا يؤكد كون الكاتبة اغتربت منذ 26 عاما و لم تسطع زيارة بلدها إلا منذ سنة و ذلك بعد الإطاحة بالنظام السابق.

    أما نص "امرأة سيئة السمعة" هو بمثابة رد اعتبار للمرأة العراقية المناضلة التي كانت تعدم أمام أهلها و تلفق لها تهمة الانحلال الأخلاقي لتشويه سمعتها. و ذلك عبر تقنية "الفلاشباك" حيث أن الابن و بعد أن كبر و أصبح يعي الأمور يتوجه لقبر أمه ليناجيها و يخبرها أنه خبر كل شيء و أنه لم تنجح كل المحاولات التي قاموا بها لإقناعه بأن أمه فاسدة, و هذا الابن طبعا يمثل كل الأبناء الذين أعدمت أمهاتهم و أسيء لشرفهن.

 

    و إن كانت معظم نصوص المجموعة تعتمد على الانسياب اللغوي فإن نص "الطاعون" كان متميزا على مستوى السرد حيث كان أقرب إلى قصيدة النثر و ذلك بتوظيف إيحاءات تحمل صورا شعرية تحبل بمجازية موحية و معبرة و تنفتح على أكثر من معنى حيث أنه يمكن للطاعون الذي جاء ليجتاح البلاد أن يكون مرضا يهدد المصلحة و الصحة العامتين للشعوب........

 

  فتيحة النوحو

  شاعرة وكاتبة من المغرب