|
رسالة إلى صديقتي المقتولة
هذه رسالتي الأخيرة
لك ، سبقتها رسائل عديدة ،أبثك لوا عج قلبي ، وتحدثينني عن
متاعبك الآخذة بازدياد وتفاقم ، رأيتك آخر مرة ، وكنت كالعادة
دائما ، تضحكين على المصاعب ، وتهزئين بالكوارث ، تقولين عندما
نستفسر متعجبين : انك تطردين الهموم والأحزان بضحكك المستمر ،
وابتسامتك المتواصلة ، وان الأحزان كلها من الضعف والضالة ،
حيث لا تستطيع الصبر ، والمكوث أمام إصرارك ، فتولي مذعورة ,,,
مندثرة ,,,, تهرب من دربك ,,,, بعد أن أدركت ,,,, أنه من
المستحيل ، أن تئد الضحكة المتواصلة ، الهازئة بالمصاعب ، وأن
تقطع الابتسامة الجميلة التي تعلو محياك وتزينك ، عبارتك التي
كنت ترددينها باستمرار
- بعدا للألم يا عزيزتي ، وسحقا للانهزام.
رأيتك آخر مرة
وأنت شبه وحيدة ، في بيتك القديم المتهدم الجدران ، الواطيء
السقف ، المشقق ، المقلوع النوافذ ، لقد مضوا جميعا ، وتركوك
صلبة ، لا تنال منها المصاعب ، فأنت مازلت تضحكين ,,, تلك
الضحكة العالية ، المتواصلة ، ينظر إليك الجميع ، باستغراب ،
ثم بعد لحظة ، يقتدون بك ، وتنتقل إليهم العدوى ، تجدينهم
يضحكون ، بتواصل ، وبدون انقطاع ، حنى تنتهي أنت من ضحكتك
الجميلة ، وانت ترددين جملتك الاثيرة العصية على النسيان
- بعدا للالم ،
وسحقا للانهزام
أعدموا زوجك ، وأبنك
الكبير ، فقدت ابنتك الوحيدة ، بعد ان صارت ملتاعة ، محطمة
القلب ، مكلومة الفؤاد ، ضربوا زوجها أما م عينيها ذلك الضرب
المبرح ، وبلا أي مبرر معقول ، بقيت وحيدة ، غريبة ، في ذلك
المنزل الكبير والمتهدم ، تمنين النفس ، أن يعود ابنك المتبقي
لك في هذه الحياة ، الغريبة بحوادثها العصية على الفهم
والتفسير ، عند سقوط النظام الدكتاتوري الأليم ، صفقت بسعادة ،
للحدث العظيم ، وانت ترددين الجملة التي استحوذت على الاعجاب :
- بعدا للالم ، سحقا للانهزام.
يمكنك الآن أن
تكحلي العين ، برؤية ابنك العزيز ، ذهبت إلى كل السجون
والمعتقلات التي تعرفينها والتي علمت بشأنها بعد السقوط ، على
الأرض ، وتحتها ، تهرأت قدماك ، وأنت تبحثين وتبحثين ، ثم
تطلقين تلك الضحكة المجلجلة التي تثير الاستغراب في البداية ،
ثم لا تلبث الضحكات أن تنطلق من الأفواه ، بإصرار غريب ،
انتظرت أن يعود ابنك الوحيد ن وان تلتئم الشمل أخيرا في أسرة
بقي من أفرادها اثنان ، بعد أن طالت يد الظالمين أغلب أفرادها
، طال بك الانتظار ، تورمت ساقاك ، ولم تعودا بقادرتين على حمل
جسدك الآخذ بالنحول ، يوما بعد يوم ، يأتيك النبأ بأن ابنك قد
أبيد مع الآخرين ، وان حكما بالإعدام قد صدر بحقه ، دون ان
تعلمي او يبلغوك ، وإنهم نفذوا الحكم بسرعة ، وأنت هنا في بيتك
المتهدم ، تمنين النفس ، ان تري ابنك قريبا ، بعد ان يطلق
سراحه ، لم تفقدي اليقين مع كل أنواع البشاعة التي صادفتها ،
وجميع فنون القسوة التي تعرضت إليها ، مع أبنائك وزوجك ن
وأفراد عائلتك ، حين سمعت بالمصاب الأليم ، هرعت الى مساعدتك ،
عل كلماتي القليلة تخفف بعض معاناتك ، تراكمت عليك أنواع من
الحزن ، ترمل وثكل ... وفقدان الأحبة ، يصيبك الوجوم في
البداية ، وكأنك فوجئت برؤيتي ، فانا مثلك تماما ، وكنت بعيدة
عنك ، فلم تتوقعي رؤيتي بعد هذه السنين الطوال ، فانطلقت
ضحكاتك المألوفة بإصرار ، وأنت ترددين الجملة التي أحب سماعها
منك
- بعدا للألم ، سحقا للانهزام.
فلم أجد نفسي إلا
وأنا أشاركك الضحك المستمر الطويل أنا، من كان يظن أنني نسيت
كيف أضحك ، وفقدت القدرة على الابتسام ، أحذو حذوك ، وأضحك
,أضحك مما يثير استغراب الزائرات اللاتي يأخذن بضحك متواصل ،
تتقطع معه الأنفاس .
تبادلنا حديث
الذكريات ، كنا نقرأ معا ، ونمشي المسافات الطويلة ، ونحن نغني
أغاني فيروز وعبد الوهاب ، مع الفارق الكبير بين الاثنين
،طالما حفظنا الأغاني ،كما نحفظ القصائد ، والآن نسينا كل ما
حفظناه ، وكأنه لم يمر على فكرنا ،،،
أخبرتني أنك لم تعودي تقرئين بذلك النهم
المعهود ، فقد أنهكتك الأعمال ،أعمال خارج المنزل ، وأعباء
داخله ، ترهق الجبال ، ولكنك لست جبلا وإنما امرأة لم يكن
الزوج بقربها ، عشت أرملة على الدوام ، تواصلين العمل بعد
فقدانك للأحبة ، تواصلين الهزء بالمصاعب بجملتك الجميلة.
تكثرين من الأعمال بعد استفحال الغلاء ،
وزالت كل الأمنيات بالحصول على لقمة لذيذة ، وشراب هنيء ،،،
أخبرتني أنك وحيدة ، غريبة ، تطل عليك أحيانا إحدى الجارات
والتي هي مثلك ، قد فقدت الأحبة ، الواحد بعد الآخر ، ويبس
منها القلب ، ونشف الدم ، وجفت الدموع ، أخبرتني أنك تشتاقين
إلى الأحباب الذين رحلوا ، وتركوك وحيدة ، وأنك تحلمين أحيانا
بأنهم يزورونك ، ويبادلونك الحديث ، سائلين عن أحوالك ،
مطمئنين على صحتك ،،،، غادرتك وأنا على يقين أنك بخير ، وان
الأحزان التي مررت بها لم تعد قادرة على هزيمة القوة الكامنة
في أعماقك ،،، تنيت أن أكون مثلك ، أتحلى بنفس التفاؤل ، وتلك
القدرة الكبيرة على انتزاع الضحكة من بين براثن الألم.
وأنا جالسة في منزلي في الرباط ، أشاهد
إحدى الفضائيات ، رأيت أمام عيني ، مشهدا لتفجير سوق شعبي ،
بسيارة مفخخة ، رأيت الضحايا المقتولين ، ينقلون ، كنت أنت
بعينك ، بعباءتك السوداء السميكة ، ووشاحك الثقيل ، ترقدين
بسلام ،لا أحد بجانبك ، فقدت الجميع ولم تتمكني من توديعهم ،
ولم تعثري على قبور لهم فقد لايكون لهم قبور ، وها أنت تقتلين
، بأيد غادرة ، فمن سيقوم بما يلزمك من دفن وبكاء ، وإنزال
داخل القبر ، قد تشبهين أحبابك الذين رحلوا في أنك لا تحصلين
على القبر فيضم جثمانك ،،،، أمعن النظر اليك ،، لان الكاميرا
تتوقف عندك طويلا ،، فأرى طيف ابتسامة ، تلوح على وجهك ، لقد
استطاعوا أن يقمعوا تلك الضحكة المجلجلة ، كما نجحوا في ان
يفقدوني ، صديقتي الوحيدة. |