|
أية
ثقافة ؟
قبل ان نجيب عن
السؤال ، ونحدد نوع الثقافة التي نريدها ، يجب ان نبين ما معنى
الثقافة ، هل هي القراءة ؟ هل تعني الكتابة ؟ واي نوع من
الكتابات ، يوجد مفاهيم كثيرة للثقافة ، بعضهم يقول انه
الإطلاع على الحضارات ، واتخاذ موقف واضح ومحدد تجاه القضايا ،
التي تحدث أمامنا ، او نسمع بها ، وان العالم أصبح بفضل
المخترعات والمكتشفات الحديثة قرية صغيرة ، يمكنك ان تشهد كل
ما يحدث في ابعد بقعة من الأرض عنك ، وأنت جالس على كرسيك
المريح في منزلك ، بعضهم يقول ان الثقافة هي معرفة العديد من
اللغات الحية ، وان الاقتصار على اللغة الأم وحدها ، يمكن ان
نطلق عليه صفة الأمية ، وبعضهم يرى ان الثقافة هي ان تتناسب
أفكارك التي تعبر عنها بالأقوال مع أفعالك ، ولكن أصبحنا نسمع
هذه الأيام عن وحدة المثقفين ، وانه يجب ان يكون لهم رأي واحد
تجاه القضايا التي تحدث في العالم ، فهل يمكن مع هذه المطالبة
ان يكون للناس جميعا ، رأي واحد وفي مختلف القضايا ، الفكرية
والسياسية والاجتماعية والدينية ؟ وهل يمكن لأفراد المجتمع
جميعهم ، ما داموا يحسنون إمساك القلم و معرفة الحروف ، ان
يكون لهم موقف واحد ، تجاه القضايا الوطنية والعربية والعالمية
؟ هل يستطيع كل أفراد هذه المنطقة الملتهبة بالأوجاع ، الغنية
بالثروات ، ان يتخذوا لهم موقفا واحدا نحو ما يحدث بالعراق
مثلا او فلسطين ، او بقية الأقطار ، هل يستطيعون كلهم ان
يدلوا بدلوهم نحو ما يحدث ، في كل اليلدان وكأنها بلادهم هم ،
هل يمكن للإنسان المتنعم الجالس في وطنه ، متمتعا بحب أهله
وناسه ، ان يعرف مأساة من كتب عليهم الغدر ، وذاقوا التعذيب
وشردوا من أوطانهم ، هل يمكن لمن عاش بسلام ،ان يعرف معاناة من
ذاق اليتم والحرمان ، ومرارة فقد الحبيب والقريب ، يمكن ان
يتعاطف هؤلاء جميعا مع المحرومين ، ولكن هل يمكن ان يكون لهم
رأي واحد وفي كل الأوقات ، وفي مختلف ميادين الحياة ، لماذا
يطالبوننا ان نرى بأعينهم ، وان نسمع بآذانهم ، وان نعتقد
بمفاهيمهم ونحن لم نعش حياتهم ، ولم نقرأ كتبهم ، ولم يجربوا
هم معاناتنا ؟ كيف يمكن للناس جميعا ، ان يكون لهم راي واحد
وهم مختلفون تماما بالصفات الخلقية والمكتسبة ، فان كان الناس
يختلفون بدرجة الذكاء والاستعداد للتضحية ، ومدى الإخلاص
بالعمل ونحو الآخر ، وان كانوا يتباينون بالهوايات والكفاءات ،
والقدرة على الصبر ومواجهة الصعاب ، وان كان احدهم كريما معطاء
والآخر بخيلا وهم من نفس البيئة ، وكان احدهم مقداما والثاني
مترددا ، وكل الصفات يمكن ان نختلف فيها بالدرجة والنوع ،
وهذا الاختلاف بالصفات الشخصية ، ناتج عن اختلاف الظروف
البيئية وما يقرأ الإنسان من كتب ، ونوعية الأصدقاء ، ونوع
العلاقة بين الأبوين ، وكيف كانت الأسرة أيام الطفولة والصبا.
الناس مختلفون ، وليس من الإنصاف ان
نطالبهم ، ان يتخذوا موقفا واحدا يرددونه مثل الببغاء ، وإنما
يجب ان يكون موقفهم ذاك ناتجا ،عن اقتناع صحيح بوجهة النظر ،
التي أثبتت لهم التجربة إنها صحيحة ، وإنهم يريدون ان يدافعوا
عنها ، وهذا الاختلاف في الثقافات ،لا يعدم إمكانية ان يكون
لنا موقف واحد تجاه القضايا المصيرية التي تهتم بها مجتمعاتنا
دون فرض او إكراه. |